اعلموا أيضًا أفعال النبي صلى الله عليه وسلم من حيث الاتباع والتأسي تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي: أولًا: الأفعال الجبلية: كالقيام والقعود والشرب والنوم وغير ذلك، وهي نوعان من جهة التأسي والاتباع: نوع جاء النص الخارج عن الفعل بإيجابه أو ندبه، كالأكل باليمين والشرب ثلاثًا وقاعدًا والنوم على الشق الأيمن، فهنا يشرع التأسي والاقتداء به في ذلك.
ونوع لم يأت نص دال على مشروعيته، وهو باق على الأصل من حيث الإباحة للجميع؛ وذلك لأن الأوصاف التي يطبع عليها الإنسان كالشهوة إلى الطعام والشراب لا يطلب بدفعها، ولا بإزالة ما غرز في الجبلة منها.
وهذا النوع محل خلاف بين أهل العلم، في مشروعية التأسي والاقتداء به صلى الله عليه وسلم فيه على جهة الندب على قولين: الأول: أن التأسي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا النوع مندوب، وقد كان ابن عمر رضي الله عنه يفعل مثل ذلك، وإن كان قد فعله صلى الله عليه وسلم اتفاقًا ولم يقصده.
القول الثاني: أنه لا يشرع التأسي والاقتداء بالنبي في هذا النوع، وهذا قول وفعل جمهور الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم الفاروق وعائشة رضي الله عنهما، ويلحق بالأفعال الجبلية الأفعال التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى العرف والعادة كلبس الجبة والعمامة وإطالة الشعر ونحو ذلك، إذ لا تدل على غير الإباحة، إلا إذا ورد دليل على مشروعيتها.
ثانيًا من الأفعال: الأفعال التي علم أنها من خصائصه صلى الله عليه وسلم: ذكر أهل العلم في باب خصائصه أمورًا من المباحات والواجبات والمحرمات، بعضها متفق على حكمه بالنسبة له صلى الله عليه وسلم، وبعضها الآخر فيه خلاف.
فمن المباح له -مثلًا- الزيادة على أربع نسوة في النكاح، ومن الواجب عليه: وجوب التهجد وقيام الليل، ومن المحرم عليه: الأكل من الصدقة، فهذه خصائص لا يشاركه فيها أحد ولا يقتدى ويتأسى به فيها.
قال الشوكاني: والحق أنه لا يقتدى به صلى الله عليه وسلم فيما صرح لنا بأنه خاص به، كائنًا ما كان إلا بشرع يخصنا.
ويلحق بهذا ويرجع إليه: ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه دون بعض؛ كشهادة خزيمة وأضحية أبي بردة،كما يلحق به ما خص به صلى الله عليه وسلم أهل بيته رضي الله عنهم كالمنع من أكل الصدقة.
ثالثًا من الأفعال: الأفعال التعبدية: وهي المقصودة، وهي الأفعال غير الجبلية وغير الخاصة والتي يقصد بها التشريع، فهذه مطلوب الاقتداء والتأسي به صلى الله عليه وسلم فيها، وهي الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21] إلا أن صفتها الشرعية تختلف من حيث الإيجاب أو الندب بحسب القرائن.