فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 623

السهم الحادي عشر والأخير: المداراة

فهل تحسن فن المداراة؟ وهل تعرف الفرق بين المداراة والمداهنة؟ روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (أن رجلًا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل، قالت له عائشة: يا رسول الله! حين رأيت الرجل قلت كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة! متى عهدتني فاحشًا؟ إن شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة؛ من تركه الناس اتقاء فحشه) .

قال ابن حجر في الفتح: وهذا الحديث أصل في المداراة.

ونقل قول القرطبي: والفرق بين المداراة والمداهنة: أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا، وهي مباحة وربما استحبت، والمداهنة: ترك الدين لصلاح الدنيا.

إذًا: فالمداراة لين الكلام والبشاشة للفساق وأهل الفحش والبذاءة: أولًا: اتقاءً لفحشهم.

وثانيًا: لعل في مداراتهم كسبًا لهدايتهم، بشرط عدم المجاملة في الدين، وإنما في أمور الدنيا فقط، وإلا انتقلت من المداراة إلى المداهنة.

فهل تحسن فن المداراة بعد ذلك؟ كالتلطف والاعتذار، والبشاشة، والثناء على الرجل بما هو فيه لمصلحة شرعية، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مداراة الناس صدقة) أخرجه الطبراني وابن السني من حديث جابر وصححه ابن حبان.

وقال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة.

انتهى كلامه رحمه الله.

إذًا: هذه أسهم للصيد، فأحسن التسديد، وهي على سبيل المثال، وذكرت منها ما أشرت إليه آنفًا وإلا فهي كثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت