أولًا: ليس مراد المسلم الصادق من حسن تعامله وأخلاقه والإحسان للناس هو كسب القلوب أو رضا المخلوقين، أو انتزاع صيحات الإعجاب والمدح والثناء منهم، فمن القبيح أن نتحلى بالأخلاق من أجل كسب القلوب فقط، فلا يظن ظان عند سماعه لعنوان الدرس هذا الظن، بل هدفنا دائمًا هو رضا الله، والله هو الذي أنزل القرآن وأرسل الوحي اللذان منهما نستمد الأخلاق والآداب، ومن أرضى الله، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، فتقدير الناس وحبهم له حاصل بحرصه على رضا الله وإخلاص الأمر له، وقليلٌ أولئك الذين يحرصون على كسب القلوب لنشر المحبة والإخاء وجمعها على حب الله، وكثير أولئك الذين يحرصون على كسب القلوب، ومودة الآخرين من أجل مصالح الدنيا والشفاعات وتسهيل المهام، وهذا النوع من الكسب تبتذل فيه النفوس، ويذبح الحياء، وربما يباع الدين بالدنيا من أجله، نعوذ بالله من حال هؤلاء.
ثانيًا: إن لم تكن الأخلاق أصيلةً في نفسك، فلتحرص على اكتسابها والتحلي بها وتداوم على تزكية النفس وتهذيبها، ولا تتصنع الأخلاق أبدًا، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، وإن نجحت مرةً أو مرتين فسرعان ما تسفر الأحداث والمواقف عن زيوف النفس وتصنعها، وما تخفيه من نوايا ومآرب وأغراض.
أما بحثنا عن طريق القلوب فمن أجل علام الغيوب من عفو وصفح ونفع، وصبر وطلاقة وجه، وطيب كلام، ليصبح البعيد قريبًا والعدو صديقًا، فيحبك الناس، ومن أحبه الناس ملك قلوبهم وأثر في أفعالهم، وإلا فكيف نريد أن يقبل الناس منا وفي قلوبهم لنا جفوة وفي نفوسهم نفرة؟ أيها الإخوة والأخوات! لا يمكننا التأثير على نفوس الناس أبدًا وكسب قلوبهم، إلا بتلمس الخير فيهم، والحرص على مكارم الأخلاق معهم.
إذًا: لنملك القلوب لتحبنا القلوب، وحينها سترون النتيجة والتأثير، فإن من أحبه الناس ملك قلوبهم، وليس معنى هذا أن نترك النصح للآخرين والإنكار عليهم، ولا أن نجاملهم في معاصيهم وأخطائهم.
معاشر الإخوة! اسمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق) .
قال ابن حجر: أخرجه البزار بسند حسن من حديث أبي هريرة رفعه.
انتهى كلامه.
قد لا يستطيع أحدنا أن يملك قلوب الناس بماله ولا بجاهه، وإن تملق الناس له وتصنعوا، فربما أن قلوبهم تمقته، بينما أنت يا صاحب الأخلاق! تملك الناس بحسن الأخلاق، يحبك الناس، ويرفعونك ويقدرونك، فقط: (وخالق الناس بخلق حسن) كما وصى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل.
قال ابن المبارك: [والخلق الحسن هو: بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى] .
وقال الإمام أحمد: الخلق الحسن أن لا تغضب ولا تحقد.
وقيل: حسن الخلق: بذل الندى، وكف الأذى، واحتمال الأذى.
وقيل: هو بذل الجميل، وكف القبيح.
وقيل: هو التخلي عن الرذائل، والتحلي بالفضائل.
ويكفي في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (البر: حسن الخلق) كما في صحيح مسلم.
قال ابن القيم رحمه الله: وهذا يدل على أن حسن الخلق هو الدين كله، وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، ولهذا قابله بالإثم في الحديث.
انتهى كلامه.
ثالثًا: لا تغتر بحسن أخلاقك في الرخاء، بل جرب نفسك في أوقات الشدة والغضب، وكل الأحوال التي يحتاج فيها للأخلاق فعلًا، فالإيثار عند قلة الزاد، والحلم عند الغضب، والعفو عند المقدرة، أما في الرخاء فلا فخر ولا فضل.
رابعًا: انظر للناس فما كرهته فيهم من أخلاق فابتعد عنه، فإنهم يكرهون منك ما تكرهه منهم.
خامسًا: اسأل نفسك، هل أنت كالنحلة لا تقع إلا على الورود والأزهار، أم أنت كالذباب لا يقع إلا على الأوساخ والأقذار؟! سادسًا: مدار الموضوع كله في آية في كتاب الله تعالى، وهي قاعدة في فن التعامل والإحسان للخلق، هي قوله تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34] لكن هل كل أحد يوفق لهذا؟ لا.
فإن الله تعالى يقول: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت:35] وقد جمع الله مكارم الأخلاق في آية أخرى، فقال: {خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199] .
سابعًا: الأخلاق الإسلامية معك في كل زمان ومكان، مع ربك، ومع الناس، وفي بيتك، وفي عملك، وفي البيع والشراء، وفي الجلوة والخلوة، مع الكبير والصغير، والرئيس والمرءوس، فهي أصيلة في نفسك في كل الأحوال، ومع كل الأشخاص، وفي كل مكان.
ثامنًا: أركان حسن الخلق أربعة: الصبر والعفة والشجاعة والعدل.
وسوء الخلق أركانه أربعة: الجهل والظلم والشهوة والغضب.
تاسعًا: ونحن نطالب الناس بمكارم الأخلاق، لا ننسى أنهم بشر، ومهما جهدوا فلا بد من الهنات والغفلات، فلا نطالب بالمثاليات، خاصة في مثل هذه الأوقات، ولكن انظر إلى نفسك وعامل الناس كما تحب أن يعاملوك.
عاشرًا وأخيرًا: يقول ابن المقفع في الأدب الصغير هذه الجملة الجميلة: وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساوئها في الدين وفي الأخلاق وفي الآداب، فيجمع ذلك كله في صدره أو في كتاب، ثم يكثر عرضه على نفسه ويكلفها إصلاحه، ويوظف ذلك عليها توظيفًا من إصلاح الخلة والخلتين والخلال، في اليوم أو الجمعة أو الشهر، فكلما أصلح شيئًا محاه، وكلما نظر إلى محو استبشر، وكلما نظر إلى ثابت اكتأب.
انتهى كلامه رحمه الله.
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
اللهم إنك ترى مكاننا وتسمع كلامنا وتعلم سرنا وعلانيتنا، ولا يخفى عليك شيء من أمرنا، نحن البؤساء الفقراء المستغيثون المستجيرون، والوجلون المشفقون، المقرون المعترفون، نسألك مسألة المساكين، ونبتهل إليك ابتهال المذنبين، وندعوك دعاء الخائفين، دعاء من خشعت لك رقابهم، وذلت لك أجسادهم، وفاضت لك عيونهم، ورغمت لك أنوفهم.
اللهم أصلح فساد قلوبنا، وارحم ضعفنا، وحسن أخلاقنا، اللهم إنا لأنفسنا ظالمون، ومن كثرة ذنوبنا خائفون، ولا يغفر الذنوب إلا أنت يا أرحم الراحمين، فاغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.