الصفحة الثانية: لما استولى الصليبيون على كثير من البلاد الإسلامية، والمسجد الأقصى ما يقارب قرنًا من الزمن؛ حتى ظن الكثير من المسلمين وغيرهم أنه لا أمل في انتصار المسلمين على الصليبيين، وأنه لا رجاء في رد أرض فلسطين مع المسجد الأقصى إلى حوزة المسلمين، ولاسيما بعد أن فتكوا في الأنفس، وذبحوا من المسلمين في يوم واحد فقط أكثر من ستين ألفًا حتى إن الدماء سالت أنهارًا في شوارع القدس وقد بلغت حد الركب.
واسمع لـ ابن كثير وهو يقول في البداية والنهاية: لما كان ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة ثنتين وتسعين وأربعمائة أخذت الفرنج -لعنهم الله- بيت المقدس -شرفه الله- وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل، وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألفًا من المسلمين، وجاسوا خلال الديار، وتبروا ما علو تتبيرًا.
قال ابن الجوزي: وأخذوا من حول الصخرة اثنين وأربعين قنديلًا من فضة زنة كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنورًا من فضة زنة أربعون رطلًا بالشامي، وثلاثة وعشرين قنديلًا من ذهب، وذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق مستغيثين على الفرنج إلى الخليفة، والسلطان منهم القاضي أبو سعد الهروي، فلما سمع الناس بـ بغداد هذا الأمر الفظيع هالهم ذلك، وتباكوا وقد نظم أبو سعد الهروي كلامًا قرئ في الديوان، وعلى المنابر فارتفع بكاء الناس، وندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج إلى البلاد ليحرضوا الملوك على الجهاد، فخرج ابن عقيل وغير واحد من أعيان الفقهاء، فساروا في الناس فلم يفد ذلك شيئًا إذا ماتت قلوب الناس وأصابها الخوف والهلع والعياذ بالله ماتت،فإنا لله وإنا إليه راجعون.
حتى إنَّ أرياط أمير الكرك، ولم يكن في الفرنج أشد منه عداوة للمسلمين سطا على قافلة ذاهبة من مصر إلى الشام فأخذ أموالهم وضرب رقابهم وهو يقول: أين محمدكم! دعوه ينصركم!! من كان يظن أن هذه البلاد ستحرر في يومٍ من الأيام على يد البطل صلاح الدين في معركة حطين الحاسمة، ويصبح للمسلمين من الكيان والقوة والعزة والسيادة ما شرف التاريخ.
قال ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الثاني عشر: فتواجه الفريقان، وتقابل الجيشان، وأسفر وجه الإيمان، واغبر وأقتم وجه الكفر والطغيان، ودارت دائرة السوء على عبدة الصلبان، وذلك عشية الجمعة، فبات الناس على مصافهم، وأصبح صباح يوم السبت الذي كان يومًا عسيرًا على أهل الأحد، وذلك لخمس بقين من ربيع الآخر فطلعت الشمس على وجوه الفرنج، واشتد الحرب وقوي بهم العطش، وكان تحت أقدام خيولهم حشيشٌ قد صار هشيمًا، وكان ذلك عليهم مشئومًا، فأمر السلطان النفاطة أن يرموه بالنفط فرموه فتأجّج -أي: ذلك الحشيش- نارًا تحت سنابك خيولهم، فاجتمع عليهم حر الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح وحر رشق النبال، وتبارز الشجعان، ثم أمر السلطان بالتكبير والحملة الصادقة، فحملوا وكان النصر من الله عز وجل فمنحهم الله أكتافهم، فقتل منهم ثلاثون ألفًا في ذلك اليوم، وأسر ثلاثون ألفًا من شجعانهم وفرسانهم، وكان في جملة من أُسر جميع ملوكهم سوى قومس قرابلس فإنه انهزم في أول المعركة، واستلبهم السلطان صليبهم الأعظم، وهو الذي يزعم أنه صلب عليه المصلوب، وقد غلفوه بالذهب واللآلئ والجواهر النفيسة، ولم يسمع لمثل هذا اليوم في عز الإسلام وأهله ودمغ الباطل وأهله حتى ذكر أن بعض الفلاحين رآه بعضهم يقود نيفًا وثلاثين أسيرًا من الفرنج، وقد ربطهم بطنب خيمة، وباع بعضهم أسيرًا بنعل ليلبسها في رجله، وجرت أمور لم يسمع بمثلها إلا في زمن الصحابة والتابعين، فلله الحمد دائمًا كثيرًا طيبًا مباركًا انتهى كلامه رحمه الله.
من كان يظن أنها ستحدث مثل هذه الأحداث، وستحرر هذه البلاد بعد هذه الأمور التي سمعتموها من تسلط الصليبيين ومن أذاهم للمسلمين.