فهرس الكتاب

الصفحة 565 من 623

قد يقول قائل بعد سماع ما تقدم: وهل نخفي أعمالنا دائما فلا نظهر منها شيئًا أبدًا؟! الإجابة على هذا السؤال يتفضل بها شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين عندما قال: فصل: قوله ولا مشاهدًا لأحد فيكون متزينًا بالمراءاة.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا فيه تفصيل أيضًا؛ وهو أن المشاهدة -والمشاهدة يقصد بها مشاهدة الناس لك أثناء العمل- فالعمل لغير الله نوعان: أولًا: مشاهدة تبعث عليه أو تقوي باعثه -تبعث على العمل أو تقوي هذا العمل- فهذه مراءاة خالصة أو مشوبة، كما أن المشاهدة القاطعة عنه أيضًا من الآفات والحجب، أي: كما أن المشاهدة التي تجعلك تقطع العمل بتاتًا أيضًا هي من الآفات والحجب.

ثم يقول: ومشاهدة -أي أخرى- لا تبعث عليه ولا تعين الباعث، بل لا فرق عنده -أي: صاحبها- بين وجودها وعدمها، لا يهمه يراه الناس أو لا يراه، فهذه لا تدخله في التزين والمراءاة، ولا سيما عند المصلحة الراجحة في المشاهدة إذا كان هناك مصلحة راجحة.

يقول ابن القيم: إما حفظًا ورعاية كمشاهدة مريض أو مشرف على هلكة يخاف وقوعه فيها، أو مشاهدة عدو يخاف هجومه كصلاة الخوف عند المواجهة، أو مشاهدة ناظر إليك يريد أن يتعلم منك فتكون محسنًا إليه بالتعليم وإلى نفسك بالإخلاص، أو قصدًا منك للاقتداء وتعريف الجاهل، فهذا رياء محمود، والله عند نية القلب وقصده.

ثم يقول رحمه الله تعالى: فالرياء المذموم أن يكون الباعث قصد التعظيم والمدح، والرغبة فيما عند من ترائيه، أو الرهبة منه، وأما ما ذكرنا من قصد رعايته أو تعليمه أو إظهار السنة وملاحظة هجوم العدو ونحو ذلك؛ فليس في هذه المشاهد رياء، بل قد يتصدق العبد رياءً وتكون صدقته فوق صدقة صاحب السر.

مثال ذلك يقول ابن القيم: رجل مضرور سأل قومًا ما هو محتاج إليه فعلم رجلٌ منهم أنه إن أعطاه سرًا حيث لا يراه أحد لن يقتدي به أحد، ولم يحصل له سوى تلك العطية، وأنه إن أعطاه جهرًا، اقتدي به واتبع، وأنف الحاضرون من تفرده عنهم بالعطية، فجهر له بالعطاء وكان الباعث له على الجهر إرادة سعة العطاء عليه من الحاضرين، فهذه مراءاة محمودة، حيث لم يكن الباعث عليها قصد التعظيم والثناء، وصاحبها جدير بأن يحصل له مثل أجور أولئك المعطين.

اهـ.

وينقل لنا الحافظ ابن حجر أيضًا في فتح الباري، لما تكلم عن صدقة الفرض وصدقة النفل، وهل الأفضل إعلانهما أو إخفاءهما، قال رحمه الله تعالى ينقل عن الزين بن المنير: لو قيل إن ذلك يختلف -أي الإخفاء أو الإظهار- باختلاف الأحوال لما كان بعيدًا، فإذا كان الإمام مثلًا جائرًا ومال من وجبت عليه -أي: الزكاة صدقة الفرض- مخفيًا؛ فالإسرار أولى، وإن كان المتطوع ممن يقتدى به ويتبع وتنبعث الهمم على التطوع بالإنفاق وسلم قصده، فالإظهار أولى.

اهـ.

ومن هنا نعلم أنه ليس دائمًا تخفى الأعمال، بل قد يظهر الإنسان أعماله لمصلحة راجحة كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت