لو لم يكن من آثار سلامة الصدر وتنقية القلب إلا أنه سبب لدخول الجنة -كما ذكرنا في حديث أنس - لكفى، فإن سلامة الصدر من أعظم أسباب دخول الجنة، قال ابن القيم في مدارج السالكين: وهاهنا للعبد أحد عشر مشهدًا فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم ثم قال: المشهد الثالث: مشهد العفو والصفح والحلم، فإنه متى شهد ذلك وفضله وحلاوته وعزته، لم يعدل عنه إلا لعشىً في بصيرته، فإنه (ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا) ، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلم بالتجربة والوجود، وما انتقم أحد لنفسه إلا ذل، هذا وفي العفو والصفح والحلم من الحلاوة والطمأنينة والسكينة وشرف النفس وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام؛ ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام.
اهـ.
ويقول أيضًا رحمه الله تعالى في المشهد السادس: مشهد السلامة وبرد القلب، وهذا مشهد شريف جدًا لمن عرفه وذاق حلاوته، وهو ألا يشتغل قلبه وسره بما ناله من الأذى وطلب الوصول إلى درك ثأره وشفاء نفسه، بل يفرغ قلبه من ذلك، ويرى أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له وألذ وأطيب وأعون على مصالحه، فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ما هو أهم عنده وخير له منه، فيكون بذلك مغبونًا، والرشيد لا يرضى بذلك، ويرى أنه من تصرفات السفيه، فأين سلامة القلب من امتلائه بالغل والوسواس وإعمال الفكر في إدراك الانتقام.
اهـ.