فإن قيل: فقدِّر هناك موصوفا محذوفا مجرورا ليكون تقديره: وأرسلناه إلى مائة ألف وجمع يزيدون، على قول الراجز:
جَادَتْ بِكَفَّيْ كانَ مِنْ أَرْمَى الْبَشَرْ1
أي: بِكَفَّيْ إنسان كان من أرمى البشر قيل: تقدير مباشرةِ حرف الجر للفعل أشد من تقدير الإضافة إليه. ألا ترى أنه على كل حال قد يضاف إلى الفعل ظروف الزمان وغيره، على كثرة ذلك في أسماء الزمان؟ وينضاف إلى ذلك إفساد المعنى وذلك أنه يصير معناه إلى أنه كأنه قال: وأرسلناه إلى جَمْعَيْن: أحدهما مائة ألف، والآخر زائد على مائة ألف. وليس الغرض والمراد هنا هذا، وإنما الغرض -والله أعلم- وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموهم لقلتم أنتم: هؤلاء مائة ألف، وهم أيضا يزيدون. فالجمع إذًا واحد لا جمعان اثنان.
وكذلك قراءة الجماعة: {أَوْ يَزِيدُون} ، وتقديره أو: هم يزيدون، فحذف المبتدأ لدلالة الموضع عليه كما مضى مع الواو2، وأما قول الآخر:
ألا فَالْبَثَا شَهْرَيْنِ أو نِصْفَ ثَالِثٍ ... إلَى ذاكُما ما غَيَّبَتْنِي غَيَابِيَا3
فقالوا: معناه أو شهرين ونصف ثالث؛ وذلك أن قوله: أو نصفَ ثالثٍ لا يكون ثالثا حتى يتقدمه شهران، إلا أنه هنا حَذف المعطوف عليه مع حرف العطف جميعا.
وفي قوله"سبحانه": {أَوْ يَزِيدُون} وعلى قراءة جعفر بن محمد:"يَزِيدُون"إنما حُذف اسم مفرد، وهو هم. وعلى أنه قد جاء عنهم حَذف الاسم ومعه حرف العطف، وذلك قولهم فيما رُوِّيناه عن أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: راكب الناقة طَلِيحَان، أي: راكب الناقة والناقة طليحان4، فحذف الناقة وحرف5 العطف معهما. وعلى أنه قد يحتمل
1 صدره:
مالك عندي غير سهم وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر
ويروى"ترمي"مكان"جادت". وكبداء، أي: قوس كبداء، وهي التي يملأ الكف مقبضها و"بكفي"متعلق بمحذوف حال. وانظر الخزانة: 2: 312، والخصائص 2: 367.
2 في هامش الأصل بعد كلمة"الواو"عبارة قصيرة لم نستطع قراءتها. وفي ك بعد"الواو": ومثله أو.
3 البيت لابن أحمر. وانظر الخصائص: 2: 460.
4 الطليحان: مثنى الطليح، وهو المجهد.
5 في ك: وحذف، وهو تحريف.