فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 466

من الحجج التي لا يعلمها، وأن ينظر في أدلة خصمه كما ينظر في أدلته هو، وفي هذا الموضع يعرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه [1] ، وتواضعه من كبره، وعقله من سفهه [2] . فما أجمل قول الحسن بن علي رضي الله عنه: وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك بمثله تكن عادلًا [3]

خ ـ قول الحسن رضي الله عنه: إنه كان بين أيديكم قوم يجمعون كثيرًا ويبنون مشيدًا ويأملون بعيدًا أصبح جمعهم بورًا وعملهم غرورًا ومساكنهم قبورًا يا ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، فجد بما في يدك لما بين يديك فإن المؤمن يتزود والكافر يتمتع وتلا هذه الآية (( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) ) (البقرة، الآية: 197) . فالحسن رضي الله عنه يصف صنفًا من الناس منغمسًا في الدنيا وزينتها، مشغولًا بالجمع والبناء ومصابًا بمرض طول الأمل فهذا حال أغلب الناس إلا من رحم ربي، فإذا الموت يأتي بغتة، فلم ينتفعوا بما جمعوا، فأصبحت أعمالهم ضائعة، ومساكنهم خالية، فالحسن بن علي رضي الله عنه يحذر الناس من الإغترار بهذه الدنيا ويحثهم على الزهد فيها وإنما ينشأ الزهد لليقين بالتفاوت بين الدنيا والآخرة، قال تعالى (( قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) ) (النساء، آية: 77) . والقرآن يربي المؤمن على الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، وقد بين الله سبحانه وتعالى أن الكفار هم الذين يغترون بزينة الدنيا وزخرفها، فقال تعالى: (( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) ) (البقرة، الآية: 212) .

وقد بين القرآن الكريم في كثير من المواضع أن الدنيا حقيرة لا يجب أن تشغل المرء عن طلب الآخرة منها قوله تعالى: (( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ

(1) الإعتساف: أشد الظلم

(2) تفسير ابن سعدي صـ 915

(3) الحسن بن علي صـ 28

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت