فهرس الكتاب

الصفحة 1279 من 2970

وأما الوجه الثاني: وهو ما يستدل بالظاهر من أمره على الخفي:

فهو ما وجد فيه من الفضائل والمعالي والمكارم والأخلاق الحسنة الشريفة التي لم تجتمع مثلها في واحد قط ثم يكون مع ذلك كذابا، ألا ترى إلى قول ابن سلام: أتيت المدينة حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يقول: يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وألينوا الكلام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام، فعلمت أن وجهه ليس بوجه كذاب.

وكان أكثم بن صيفي- وهو من حكماء العرب، عاش ثلثمائة وستين سنة، ولم يكن أحد من العرب يفضل عليه في الحكمة-، لمّا سمع برسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليه ابنه وكتب إليه كتابا، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كتابه، فلما ورد عليه ابنه بالكتاب قال لابنه: ما رأيت؟ قال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن لئامها، يدعو إلى أن يعبد الله وحده لا شريك له، ويأمر بخلع الأوثان، فقال: قد علم ذو الرأي والعقل أن الفضل فيما يدعو إليه، فكونوا في أمره أولا، ولا تكونوا آخرا، واتبعوه تشرفوا، وأتوه طائعين من قبل أن تأتوه كارهين، فإني والله أرى أمرا ليس بالهين، لا يترك مصعدا إلّا صعده، ولا مضربا إلّا ضربه، ولينفرن بالمقيم، إن الذي يدعو إليه لو لم يكن دينا لكان في العقل حسنا، وإني والله أرى أمرا لا يتعبه ذليل إلّا عز، ولا يخالفه عزيز إلّا ذل، اتبعوه تزدادوا مع عزكم عزا.

قوله: «ألا ترى إلى قول ابن سلام» :

خرجناه في باب صفة أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وفي باب مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة.

قوله: «فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم» :

تقدم ذلك في أول الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت