سلامة اليوم أولًا ثم الأسبوع ثم العام ثم العمر.
فلقد تدرَّج التشريع بدءًا بالأهم فالأهم، وراعى ضعف النفوس وضغوط المجتمع، فربَّى النفوس وقوَّى عزائمها وسما بالأرواح إلى الدرجات العالية والمكانة السامية، فبعد تشبعها بالإيمان قبلت جميع الأوامر التي أُمرت بها، وانتهت عن جميع النواهي التي حذَّر منها.
وعلاقة هذا بموضوعنا هو تنوُّع العبادات واختلافها وشمولها لجميع أحوال الناس، فسعى الناس بأعمالهم سعيًا متنوعًا بتنوع العبادات، وقد ثبت أنَّ للجنة أبوابًا منها باب للصيام - وهو «الريان» - وباب للبر وباب للصلة، وهكذا بقية الأعمال.
يحرص الإنسان على حفظ ماله في خزينة من الخزائن خشية التلف أو الضياع أو الاعتداء عليه، ويا ليت الأمر بقي هكذا ولكنه تعدى إلى إيداعه في البنوك الربوية. وإذا حرصنا على لأموال وحفظها فإن الأعمال أولى بالحرص وأجدر بالاهتمام؛ لأنها الأرصدة عند الإفلاس والصديق عند الضيق.
وقد وظف الله تعالى لهذه الأعمال موظفين يسجلون على العبد ويحصون عليه، وهذا من كمال العدل وإقامة الحجة {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ، {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} [1] .
ولكن أين مكان العمل والظرف الذي يعمل فيه؟
المعبر عنه بـ «الخزينة» للعمل إنهما الليل والنهار، وعمر الإنسان نصفان: نصف ليل ونصف نهار، ولكلٍّ منهما عمل لا يُقبل إلا في وقته .. وسورة الليل قد بدأت بالقسم بالليل، فالواو في قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ} هي واو القسم، والأصل «أُقسم بالليل» ، لكن لَما كثر القسم في الكلام حذف فعل القسم (أقسم) ، وقلبت الباء المتعدَّى بها إلى المقسم به وهو «الليل» إلى «واو» ، واستغنى بالواو في الأسماء الظاهرة، وبالتاء في لفظ الجلالة ..
? والسرُّ في تقديم الليل على النهار أنه يسبقه في الزمن، فمثلًا
(1) سورة ق، الآيات: 18 - 23.