الصفحة 62 من 65

لقد تفضَّل الله علينا بشتَّى أنواع كرمه وأصناف نعمه، واللسان يعجز عن الشكر لجلاله، والبيان يقصر في أداء حقِّه، والبنان يضعف في توقيره وتعظيمه، ولكنه تعالى من برحمته التي سبقت غضبه فتح باب التوبة على مصراعيه حتى تطلع الشمس من مغربها وحتى تبلغ الروح الحلقوم {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [1] .

ولذلك عدَّد سبحانه مداخل الخير وأكثر مواطن الفضيلة ونوَّع منابع الحسنات، فاللسان له سعي، إمَّا إلى الجنة وإمَّا إلى النار، والعين لها عمل، إمَّا إلى الخير وإمَّا إلى الشر، والسمع له كسب، إمّا طاعة وإمَّا معصية، والقدم لها طريق، إمَّا مستقيم على طريق الرُسل عليهم السلام وإمَّا معوج مع الشياطين إلى دار البوار، واليد لها تعامُل، إمَّا بالحسنة وإمَّا بالسيئة .. فالبدن الواحد له سعيٌ مُتشتِّت ومُتفرِّق، يُدخِله إلى حصن الإسلام ليستسلم وينقاد لله تعالى ويسلم من المعاصي في الدنيا ومن العذاب في الآخرة، فإنَّ جوارح بدنه المختلفة ستؤدِّي الشهادة أمام ربِّها، وتظهر العمل الذي عملته أيام حياته {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [2] .

(1) سورة الزمر، الآية: 53.

(2) سورة فصلت، الآية: 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت