أما الأسوأ والأمرّ هو أن يُحرَج الإنسان أمام جوارحه وهي تستعرض ما قدَّم بها في دنياه؛ فيتمنَى أنه قَدَّم ما يُزِيل الإحراج ويدفع الكربة ويرفع الهمَّ والغم .. فهل وقفنا عند هذه الآية وقفات التأمل والاعتبار لنطَّلع على صحائفنا التي ستُنشر بين أيدينا {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ} ؟
وهل حاسبنا أنفسنا قبل أن نحاسب؟!
فحسابها من قِبلنا سهل، يمكننا أن نُصحِّح الخطأ ونتدارك الزَّلل ونُنمِّي الطيب ونحافظ على الصواب، ولكن حسابها من غيرنا لا يلتمس لها عُذرًا ولا يمكنها من عودة .. !
وإنني إذ أسطر هذه الأسطر أتمنَّى من أعماق قلبي أن يكون سعي الناس المتشتِّت صوابًا، وأن يُراد به وجه الله، وألاَّ يكون للشيطان والهوى فيه حظٌّ أو نصيب، وأن يُعمِّر الليل ويستثمر النهار، وأن نُنمِّي شجرة الإيمان التي غُرست بذرتها في القلوب كفطرة فُطر الإنسان عليها، وأن نتعاهدها بالرعاية والعناية، وألاَّ نتركها للجفاف والهلاك فتحلّ محلَّها شجرة المعصية.
بل لا بدَّ أن نترك فروع هذه الشجرة الطيبة تتَّجه إلى الجوارح كلِّها: ففرعٌ إلى العين ليمنعها من النظر إلى الحرام ويفتحها أمام الاعتبار والاتعاظ، وفرعٌ إلى اللسان ليكون رطبًا بذكر الله ومصونًا من سخط الله، وفرعٌ إلى الأُذن لتسمع الحقَّ وتذعن له وتداوم سماعه والتأثر به وتعرض عن الباطل وتسد عنه، وفرعٌ إلى اليد لفعل الخيرات