إنَّ الحياة سعيٌ وعمل، نرى المزارع يخرج من بيته مُبكرًا قاصدًا مزرعته يحرثها ويُلقي الحبَّ فيها، ويغرس الشجر ويحفظها ويحميها، ويصرف لها معظم وقته، ماذا يريد من وراء ذلك؟ َ إنه يرغب في الثمرة ويحرص عليها ولا يستعجلها لعلمه أنها تبقى فترة من الزمن {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [1] .
والمسلم الصادق دائم النفع مستمرُّ العطاء، يثمر الخير والفضيلة على كلِّ حال، كالشجرة الطيبة التي تؤتي أُكلها كلَّ حينٍ بإذن ربها.
ولقد شبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلم بالنخلة، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟» ..
فوقع الناس في شجر البوادي، قال ابن عمر: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟
قال: «هي النخلة» .
ولم يختر النخلة على غيرها إلا لأنها أكثر الأشجار ذِكرًا في القرآن، ولدوام نفعها؛ فهي دائمة الخضرة، لا تتأثر بالفصول الأربعة، ولا تسقط أوراقها، وفي كلِّ شيءٍ منها نفع؛ فتؤكل بلحًا وبسرًا ورطبًا وتمرًا، وينفع بجميع أجزائها حتى النوى في علف الدواب والليف في
(1) سورة الأعراف، الآية: 58.