يضع حدا فاصلا بين «إرادة الأمة» و «إرادة الله» فيما يتعلق بالكفر والإيمان: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا - النساء: 65}
لكن، ومع كل هذا البيان، فإن أبرز ما يميز خطاب الجماعة منذ انتخابات العام 2005 وحتى الآن هو التخلي التام عن تطبيق الشريعة، سواء بموجب ما قدمه الشيخ المؤسس في «معركة المصحف» ، أو بهذا المحتوى، أو حتى أقل منه، لا بالتدريج ولا بالديمقراطية، والاكتفاء، فقط، بالدولة المصرية باعتبارها «دولة إسلامية» بحاجة إلى بعض الترميمات من العطب والانحراف والفساد الذي لحق بها وفي سلوكها وأدائها السياسي والاقتصادي والإداري، بحسب أقوال د. عبد المنعم أبو الفتوح، رغم أن القضاء المصري ذاته لا يعترف بها كذلك. فمن يتابع الخطاب السياسي للجماعة الأم يدرك بالقطع أن لغته لا تستهدف الجماعة في الداخل ولا في الخارج. فهي دائمة التمسك في الحديث عن الدستور، الدولة المدنية، الحقوق، المواطنة، المساواة، العدل، ومصالح البشر والظلم والديمقراطية وصناديق الاقتراع وإرادة الناس وما إلى ذلك من مفردات العلمانية والوطنية. وفي المقابل هو خطاب يتنصل من كل مصطلح عقدي أو شرعي، ومن كل مضمون بيِّن للشريعة. أما لماذا تفعل ذلك؟ فلأن خطابها موجه بالدرجة الأساس إلى الغرب والطائفة القبطية وليس إلى الحكومة أو الأعضاء.
فما أن رفعت الولايات المتحدة والغرب عموما الحظر السياسي عما أسمته بـ «الإسلام المعتدل» حتى أعلنت الجماعة الأم عن نيتها الدخول في الانتخابات البرلمانية في مصر. ثم صعدت من مطالبها نحو تعديل القانون القاضي بمنع تكوين «الأحزاب الدينية» أملا في الحصول على ترخيص لإنشاء حزب «مدني» ، كما هو الحال في بعض الدول العربية كالجزائر والمغرب والأردن. ومن هنا بالضبط بدأت بعض المصطلحات الغربية تنكشف عن الخطاب السياسي للجماعة لتحتل مكانها بديلا عن مصطلحات الخطاب الشرعي. والحقيقة أن القوى العلمانية والطائفية هي التي ما انفكت تثير الجدل حول مشاركة الإخوان في الانتخابات كـ «جماعة دينية» رغم أن هذه الأخيرة لم تدخلها بأيٍّ من شعاراتها التقليدية أو التاريخية. لكن الأداء الإعلامي للإخوان حول مسألة «الأحزاب الدينية» و «الدولة المدنية» و «دولة المدينة» كان من النوع البائس جدا وهو يضع الجماعة والشريعة في موقع المتهم الذي ينبغي عليه أن يبرئ نفسه، ويستوحي ردوده، بتخبط واضح، من وقائع الصراع الكَنَسِي في أوروبا، فما كان منه إلا أن انتصر للجماعة على حساب العقيدة. فهو من جهة يؤكد رفضه لأية مقارنة أو إسقاط لوقائع التاريخ الكنسي الأوروبي على الإسلام أو الجماعة، ومن جهة أخرى يستعير مصطلحاته في محاولة بائسة لطمأنة العلمانيين والأقباط على وجه الخصوص تجاه النوايا السياسية للجماعة.
فـ «الدولة المدنية» ، مثلا، لم تكن في يوم ما مصطلحا أصيلا في التاريخ الإسلامي بقدر ما هي وليدة بيئة الصراع الأوروبي بين الكنيسة والمجتمعات الأوروبية أو بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية. فما الجدوى من استنكار د. أبو الفتوح (3) لمحاولات إسقاط هذا الصراع على التاريخ الإسلامي بينما تستعمل الجماعة مصطلحاته في تسويق نفسها؟ وبأية صيغة، سياسية أو شرعية أو أخلاقية أو تاريخية أو قيمية، تطالب الجماعة