». فالأول يتعامل مع الفلسطينيين وكأنهم شعبا بوذيا وليس مسلما ويستدل بالآية الكريمة: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ - البقرة: 256} ، تماما كما سبق واستدل د. أبو الفتوح على «حد الردة» بقوله تعالى: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ - الكهف: 29} ! والثاني يتعامل معهم وكأنهم في عصر الصحابة. وفي كلتي الحالتين لا بد وأن تكون التساؤلات التالية مشروعة: هل تجارة الخمور وتناولها والسفور والعلمانية من سمات مجتمع واقعه إسلامي؟ ومنذ قرون؟!!! فلماذا تتحدث «حماس» إذن عن برنامج اجتماعي وديني؟ وما هي الجدوى من وجود جماعات إسلامية أو جهادية، في فلسطين أو غير فلسطين، إذا كان الدين اختيارا حتى على المسلمين؟ وما هو المميز في خطاب «حماس» ومن ورائها «الإخوان» ؟ وما هي وظيفة هذه الجماعات حيث كانت؟ ولماذا اختارت أن تكون مرجعيتها إسلامية؟ العجيب أن الخطاب السياسي الرسمي كان يتهم هذه الجماعات بالتستر في الدين لتحقيق أغراض سياسية كالوصول إلى السلطة! وأحسب أن هذه الجماعات تفسح الطريق لهذه التهمة بإرادتها، خاصة الجيل الجديد من «الإخوان» أكثر من غيرهم.
أما مسألة إقامة الحدود فما من أحد يتصور إقامتها اعتباطيا. فهي أولا وآخرا جزء من المنظومة الإسلامية، ولعلها من أطرف المفارقات حقا أن ترمي «حماس» خصومها من الجماعات الجهادية بالجهل في الإسلام والشريعة معتبرة أن تطبيق الشريعة ليس فقط مجرد حدود، وهي التهمة التي لطالما رُميت بها كافة الجماعات الإسلامية سابقا وفي مقدمتها «الإخوان المسلمين» أنفسهم الذين يتعرضون، منذ دخولهم الانتخابات سنة 2005، لذات المساءلة أو التهمة!!! لكن تطبيق حدٍّ واحد، بالنسبة لمن يطالب بتطبيق الشريعة، سيكون بمثابة مؤشر جدي على بلوغ مسألة تطبيق الشريعة ذروتها. وبما أنه لم يطبق حتى حد التعزير، على الأقل، فهذا يعني أن مسألة التدرج بعيدة جدا عن الحقيقة إنْ لم تكن مجرد تَعِلَّة بيد أصحاب الشأن. ولعل في تصريحات الشيخ حامد البيتاوي (2) لجريدة «الغد» ما ينفي كل زعم أو جدوى بأن «حماس» ماضية في أسلمة المجتمع أو القوانين. فإذا كان التدرج بالحكمة والإقناع وحرية الاختيار تعني مجرد «المعارضة» فهذا يعني أن تطبيق الشريعة، إذا أحسنا الظن، واقع في أدنى مستوياته وهو «أضعف الإيمان» ، وهذا يمارسه حتى المسلم العادي بلا واسطة من هذه الجماعة أو تلك. وفي المحصلة فإن نظرية التدرج ذاتها ليست ذات جدوى تذكر. وهكذا سيكون حال الشريعة كحال الفرزدق ومربع! زعم الفرزدق أنْ سيقتل مربعًا ... أبشر بطول سلامة يا مِربعُ.
وأي تدرج هذا الذي يبدأ برفض قرار محكمة يُلزم المحاميات بارتداء الحجاب؟ وأي تدرج هذا الذي يسمح بتسمية الخمور بالمشروبات الروحية؟ وأي تدرج هذا الذي يسمح بكل هذا الكم الهائل من التصريحات المعادية لأية دعوة تتعلق بالشريعة أو حتى بالمظهر الإسلامي؟ وأي تدرج هذا الذي يسمح لـ «حماس» بأن تدافع عن نفسها أمام الشريعة وكأنها الخصم (الباطل) وهي الأصل (الحق) ؟ وأي تدرج هذا الذي يسمح بحشد آلاف المقاتلين لإنقاذ صحفي أجنبي ويهدد بارتكاب مجزرة بجموع المسلمين إذا لم يُطلق سراحه؟ وأي تدرج هذا الذي يسمح بتكسير الأرجل وإطلاق النار عليها وبترها وسفك دماء الناس في المساجد والشوارع والأحياء ثم تُشوه سمعة الضحايا ويُفترى عليهم دون أن يجرؤ أحد على محاسبة الجناة أو مساءلة الحكومة؟ وأي تدرج هذا الذي تظهر فيه أخلاق الغطرسة والعزة بالإثم واللغة السوقية والاتهامات والتشكيك على جماعة من المفترض أنها ذات أخلاق