فهرس الكتاب
ـ في أعماق الإنسان نوازع فطريَّة تجعله يحنُّ إلى خالقه، ويبحث عن موجده، ولا يهدأ روعه ولا يسكن فؤاده حتَّى تتلقَّح روحه بطائف نوراني إلهي يركن إليه، ويعطيه المعرفة والثقة والأمان بالله الفرد الصمد.
ـ كان كثير من الناس ـ وخاصَّة في عهد إبراهيم عليه السَّلام ـ يتوهَّمون أن مطلق السيطرة والغلبة، لمخلوقات عظيمة لها فاعليَّتها في الكون، كالشمس والقمر والكواكب، تكفي ليتَّخذوا منها آلهة، بينما اتَّخذ الآخرون من الأصنام آلهة لهم لتقرِّبهم إلى ربِّهم، مغلقين بذلك عقولهم، ومُصِمِّين أسماعهم عن دعوات الرسل، الَّتي جاءت لتعرِّفهم بالإله الحقيقي المتصرِّف في هذا الكون.
ـ حلَّق إبراهيم عليه السَّلام جهد تفكيره في الكون المادي {ملكوت السموات والأرض} ، وأوصله إخلاصه وتحرَّقه القلبي إلى الَّذي {فطر السموات والأرض} .
ـ خاف إبراهيم عليه السَّلام على نفسه أن يعيش بين القوم الضَّالِّين المشركين العابدين للأوثان {وما أنا من المُشركين} .
ـ أفول الكواكب أمر عادي يشاهده إبراهيم عليه السَّلام كلَّ يوم .. ولكن حين نظر إليها كقوَّة مدهشة يمكن تعبُّدها .. ، شعر بنقصانها وعدم اكتمالها؛ وهذا هو المعنى الحقيقي للأُفول.
في رحاب الآيات:
تستقر في أعماق كلٍّ منَّا فطرة التوحيد الَّتي فطرنا الله عليها منذ اللحظة الأولى الَّتي أَوْجَدَنا فيها. ومع بداية تفتُّح المدارك لدى الإنسان، تشرع كلٌّ من الروح والنفس بالدوران حول نواة الإيمان، وكلَّما اقتربتا من جوهره حصل الاستقرار والسَّكِينة والطُّمأنينة، وكلَّما ابتعدتا عنه حصل الاضطراب والحَيْرة والشَّتات. ولقد أكَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجود هذه الفطرة في الناس عامَّة فقال: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة» (رواه الستة إلا النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه) .
وهذه الفطرة، هي الَّتي تجذب الإنسان نحو خالقه الَّذي خلقه وخلق الأكوان وما فيها، وهي الَّتي تدفعه إلى الإيمان به، وإلى اليقين بأن حياته في هذا الكون، ما هي إلا مقدِّمة لحياة أبديَّة خالدة في عالم آخر، تُردُّ فيه المخلوقات إلى ربِّها؛ فتجد عنده ما ضاع منها في حياتها الأولى. ومثل هذه الحقيقة يتمكَّن من إدراكها والإيمان بها كلُّ من أوتي فكرًا سليمًا، ونظرًا صائبًا. فهي كامنة