فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 400

في أصل الفطرة الَّتي فطر الله الإنسان عليها، ليعرفه ويجتهد في البحث عنه والوصول إليه، ولينعم بالسَّعادة الَّتي لا يجدها إلا في التَّعاليم الإلهيَّة الملائمة للفطرة، وعلى رأس هذه التعاليم توحيد الله وإفراده بالعبوديَّة والتمجيد. فالتوحيد أسمى غايات المعرفة؛ على أساسه تقوم التكاليف، وحول محوره تدور رحى الرسالات السماوية، ومنه انطلق الأنبياء في دعوتهم للبشرية، وفي مقدِّمتهم إبراهيم عليه السَّلام الَّذي وردت قصته في القرآن الكريم بإسهاب وتفصيل، شمل جوانب عديدة من حياته، فكان نموذجًا مثاليًّا للبشريَّة؛ في إيمانه بالله وتوحيده له، ذلك الإيمان الَّذي ارتقى به إلى أعلى المقامات والرُّتب، حتَّى صار (خليل الله) فكُشف له عن ملكوت السموات والأرض، فرآهما عيانًا، فازداد بالله يقينًا، ولقدرته وعظمته إكبارًا { .. وكذلك نُري إبراهيمَ مَلكوتَ السَّمواتِ والأَرضِ وَلِيكون من المُوقِنين} .

والآيات الكريمة الَّتي نتناولها في بحثنا هذا، تعطينا صورة من بدايات حياة إبراهيم عليه السَّلام الَّتي كانت تأمُّلًا عميقًا للحياة والأحياء من حوله، ورؤية ثاقبة لما كان القوم عليه من حال تستدعي الدَّهشة والعجب؛ إنهم يعبدون آلهة شتَّى؛ اعتقدوا فيها القوَّة والسيطرة، وزعموا بأنها قادرة على جلب النفع لهم، ودفع الضرِّ عنهم، والأعجب من هذا، أن بعضًا منها صُنع بأيديهم، فكيف ارتضوها آلهة وعبدوها؟!.

وكثيرًا ما كان هذا الواقع يدفع إبراهيم للخلوة بنفسه مرارًا، فتمرُّ عليه لحظات هي من أثمن اللحظات وأصدقها؛ لما في الخلوة من رؤية حقيقيَّة للذَّات، بعيدًا عن رقابة الآخرين، الَّتي قد تدفع بعض الناس إلى المراءاة والمخادعة أو المداراة، وقد تمرُّ هذه اللحظات في عمر الإنسان مرَّة فتُقَدَّرُ قيمتها بالعمر كلِّه، وقد لا تحدث أبدًا فتكون الخسارة الكبرى. ونتيجة لخلوة إبراهيم عليه السَّلام، فقد كانت فطرته تثور عليه، وتدفعه إلى البحث والتأمُّل في ملكوت السموات والأرض، ليهتدي إلى الإيمان بالإله الحقِّ، الجدير بالألوهيَّة، والمستحقِّ للعبوديَّة. فعندما تفكَّر فيما يعبد قومه من آلهة حجريَّة صنعوها بأيديهم، أنكرها ورفضها، ولما تأمَّل آلهتهم الأخرى، وهي الكواكب تريَّث عندها قليلًا، وقلَّب ناظريه في السماء، وأجال الطَّرْف في أرجائها، فإذا الليل قد أقبل ليكتسح النهار، وإذا بالظلام يلفُّ الضِّياء ويطرده، إنه ليل من نوع فريد، ليل يخُصُّ إبراهيم وحده، ويستره عن عيون الخلائق. وفي جوف الليل يحلو التأمُّل، وتحلو الخلوة مع النفس، ويشعر الإنسان بعذوبة النَّجوى، حيث لا تَسمع نَأْمَةً ولا حركة سوى دقَّات قلبٍ تبحث عمَّن نفخ فيه الحياة. فلما رأى إبراهيم في تلك الليلة كوكبًا منيرًا يُطِلُّ من عليائه، قال هذا ربِّي، ثمَّ أخذ يتابع الكوكب حتَّى غاب وزالت معالمه، عندها تساءل كيف أعبد كوكبًا يطلع ويغيب، ويظهر ثمَّ يختفي؟ ومن سيرعى أمرنا، ويدبِّر شؤوننا إن هو غاب؟! ولما بدا له القمر مشرقًا متلألئًا، وكأنَّه يرمق الكون بنظراته الصَّافية، فيُضفي عليه جمالًا أخَّاذًا فقال: هذا ربِّي، فلما سحب القمر خيوطه الفضيَّة ومضى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت