فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 400

ـ لم يكن سؤال إبراهيم عليه السَّلام ناشئًا عن شكٍّ أو ريب في قدرة الله على الإحياء، بل كان الدَّافع الَّذي حمله على ذلك، هو رغبته في مشاهدة صورة من صور الإعجاز الإلهي ليصل إلى كمال اليقين. فأجابه الله لطلبه، وأراه عيانًا ما سأل، فسكن فؤاده بعد هذه الرؤية وازداد بالله يقينًا واطمئنانًا.

في رحاب الآيات:

تتحدَّث هذه الآيات عن إبراهيم، الإنسان المفكِّر، ذي العقل الناضج، الَّذي تأمَّل ظواهر الكون، بُغْيَةَ الوصول إلى معرفة خالقه، وأدرك بقوَّة بصيرته، استحالة نسبة الألوهيَّة لكوكب ما أو شمس أو قمر، فما هذه المخلوقات إلا دلائل على وجود الخالق وعظمته.

ولمَّا أُكْرِمَ هذا الإنسان بالنبوَّة، بقي عقله في حالة توقُّد فكري، فكان يسعى لشهود واقعة إعجازيَّة تروي ظمأه، وتجيب عن تساؤلات كثيرة كانت تدور في خَلَدِه، فكان بينه وبين الله عزَّ وجل ذلك الحوار العذب، الَّذي بدأه إبراهيم عليه السَّلام أوَّلًا بالتقرُّب والتحبُّب إلى مولاه بقوله: {ربِّ} فاختار هذه الكلمة وناجى بها ربَّه، لأنها تعبِّر عن صدق الشعور بالولاء المطلق لله وإنعامه التَّام على مخلوقاته. ثمَّ رفع إليه حاجته بقوله: {أَرِنِي كيف تُحيي الموتى} ، فهو يتوق إلى مشاهدة كيفيَّة الإحياء، ليتوِّج بها إيمانه الجازم بالقدرة الربانيَّة، ويريد أن يدرك بالعيان ما أدركه بالجَنان. ولذلك سأله المولى ـ عزَّ وجل ـ وهو أعلم بحاله: {أَوَ لم تؤمن؟} أي ألست تصدِّق بقدرتي على الإحياء؟ فيجيب إبراهيم بكلِّ ما أوتي من اليقين، أَنْ بلى قد صدَّقت، ولكن قلبي الَّذي تتنازعه نيران الشوق إلى معرفة المزيد والمزيد عن قدرتك، يتوق لشهود صنعتك، لِتَنْصَبَّ فيه برودة اليقين والتسليم، فيهدأ ويستكين حيث يبلغ الإيمان ذروته.

وفي جواب الله تعالى لإبراهيم عليه السَّلام {أَوَ لم تؤمن؟} تنبيهٌ إلى ما ينبغي للإنسان أن يقف عنده، ولا يتعدَّاه إلى ما ليس من شأنه، بالإضافة إلى أن الإيمان الحقيقي هو الإيمان بالغيبيات الَّتي لا سبيل للعقل إلى إدراكها بوسائله الحسيَّة، ولهذا فإن الإيمان بقدرة الله على إحياء الموتى، شأنه شأن الإيمان بسائر الغيبيات،?وهو غاية ما يُطلب من البشر، كلٌ في حدود زمانه، إلا أن هذا لا يعني إغلاق باب العقل والتفكير. وبما أن إبراهيم عليه السَّلام هو خليل الله وصفيُّه، فها هو سبحانه يجيبه إلى طلبه، ويأمره بأن يأخذ أربعة طيور يضمُّهنَّ إليه ثمَّ يقطِّعهُنَّ ويخلط بعضهنَّ ببعض ليصبحن مجموعة واحدة، ثمَّ يفرِّق أجزاءهن على رؤوس الجبال، فينفِّذ الخليل أمر الله، ثمَّ يناديهن فيأتين إليه فورًا. وهكذا رأى إبراهيم عليه السَّلام السرَّ الإلهي يتحقَّق بين يديه، وتحت سمعه وبصره؛ فكان درسًا بليغًا مؤثِّرًا في إبراهيم وفي كلِّ مَنْ بَلَّغَ بعْدَه، أثمر اليقين بتفرُّدِ الله المطلق في إحياء الموتى، وأنه سبحانه على كلِّ شيء قدير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت