فهرس الكتاب
وفي حلقة أخرى من حلقات حياة إبراهيم عليه السَّلام، يقصُّ الله علينا صورة من صور الصراع الَّذي فرضه عليه قومه، ممَّا أدَّى إلى هجرته في سبيل الله، تاركًا موطنه بعد أن يئس من إيمانهم، كما أنه يعرض قصَّة الأمر بذبح ولده إسماعيل، الَّتي نستشفُّ منها مدى صدقه وتصديقه؛ فيقول تعالى: {وقال إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي سَيَهدين * ربِّ هَبْ لي من الصَّالحين * فبشَّرناه بغلامٍ حليم * فلمَّا بَلَغَ معهُ السَّعيَ قال يابُنَيَّ إنِّي أرى في المنامِ أنِّي أذبحُكَ فانْظرْ ماذا ترى قال ياأبتِ افْعل ما تُؤْمر ستجدني إن شاءَ الله من الصَّابرين * فلمَّا أَسْلَما وتَلَّه للجبين * وناديناه أَنْ ياإبراهيمُ * قد صدَّقتَ الرؤيا إنَّا كذلك نَجزي المحسنين * إنَّ هذا لَهُوَ البلاءُ المبين * وفديناه بذِبحٍ عظيم * وتركنا عليه في الآخِرِين * سلامٌ على إبراهيم * كذلك نَجزي المحسنين * إنَّه من عبادنا المؤمنين} (37الصافات آية 99 ـ 111) .
ومضات:
ـ بعد صراع إبراهيم عليه السَّلام المرير مع قومه من أجل هدايتهم إلى عقيدة التوحيد، وبعد أن يئس من إيمانهم، قرَّر الهجرة من ديار الجهل والظلم إلى ديار الحريَّة والأمن.
ـ رغب إبراهيم عليه السَّلام في أن تظلَّ بركة النبوَّة سارية في ذريَّته، فدعا الله عزَّ وجل أن يرزقه غلامًا صالحًا يتابع مسيرة الإيمان والدعوة من بعده، فاستجاب تعالى له، وحقَّق له مراده؛ ووهبه على الكِبَرِ إسماعيل.
ـ لمَّا كبر الغلام وقوي ساعده ليشُدَّ أزر والده في عمل البناء والدعوة، والسعي إلى ترسيخ عقيدة التوحيد، تراءى له أن يذبح ولده إسماعيل ويقدِّمه قربانًا لربِّ العالمين؛ وامتثل كلاهما للأمر، بتسليم كامل، ورغبة صادقة؛ عندها نالا عليهما السَّلام الشهادة الإلهيَّة بالصدق، والمسارعة إلى التنفيذ، وعندها فدى الله تعالى إسماعيل بذِبح عظيم ليُذبح بدلًا عنه.
ـ بهذا الإخلاص الرائع استحقَّ إبراهيم عليه السَّلام، الذكرى الخالدة العطرة، في سائر الرسالات السماويَّة، وعلى مرِّ الأجيال والعصور، تقديرًا وتكريمًا له من ربِّ العالمين، لأن إيمانه كان يعدل إيمان أمَّة مؤمنة قولًا وعملًا، قال تعالى: {إنَّ إبراهيمَ كان أُمَّةً قَانِتًا لله حنيفًا ولم يكُ من المشركين * شاكرًا لأَنْعُمِهِ اجتباهُ وهداهُ إلى صراطٍ مُستقيم * وآتيناهُ في الدُّنيا حسنةً وإنَّه في الآخرةِ لَمِن الصَّالحين} (16 النحل آية 120 ـ 122) .
في رحاب الآيات: