فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 400

لقد تعرَّض إبراهيم عليه السَّلام لألوان من الاضطهاد أنزلها به قومه، وبلغ ذلك الاضطهاد ذروته عندما عزموا على إحراقه بالنار: {قالوا ابْنُوا له بُنْيَانًا فَأَلقوهُ في الجحيم} (37 الصافات آية 97) فلما مكروا به، مكر الله بهم وأنقذه من النار الَّتي أضرموها، ففقدت خاصيَّتها في الإحراق بمجرَّد خطاب الله لها: {قُلنا يانارُ كُوني بَرْدًا وسلامًا على إبراهيم} (21 الأنبياء آية 69) وبذلك تجلَّت قدرة الله على خرق العوائد، وعظيم رحمته وتأييده لخليله ولكلِّ من والاه، فلم يتخلَّ عنه ولم يجعل للنار عليه أدنى تأثير أو أذى.

ثمَّ قرَّر إبراهيم عليه السَّلام ـ بعد أن لاقى ما لاقى ـ الابتعاد عن قومه الظَّالمين له ولأنفسهم، فهاجر إلى ديار السَّلام والأمن، وهي هجرة نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية، هجرة يترك فيها كلَّ شيء: أباه، قومه، أهله، بيته، ووطنه، ويدع كلَّ عائق وكلَّ شاغل، فيهاجر إلى ربِّه متجرِّدًا من كلِّ شيء، مُسلِّمًا أمره إليه، وهو موقن أنه سيهديه، ويسدِّد خطاه، ويثبِّتها على الطريق المستقيم. إنها الهجرة الكاملة من حال إلى حال، ومن أواصر شتَّى إلى آصرة واحدة، لايزحمها في النفس شيء، إنه التعبير عن التجرُّد عمَّا سوى الله، والاستسلام لأمره، واليقين بتأييده ونصره.

وكان إبراهيم عليه السَّلام حتَّى هذه اللحظة وحيدًا لا عقب له، وهو يترك وراءه الأهل والأصحاب، فاتَّجه إلى ربِّه وسأله أن يهبه غلامًا صالحًا، يستعين به من أجل تبليغ الدعوة، وحمل لواء الرسالة من بعده، فاستجاب الله دعاء عبده الصالح، المهاجر إليه بقلب سليم، وأكرمه بغلام عاقل حليم، فربَّاه أحسن ما يُرَبِّي به نبيٌّ ولده، من حسن الطاعة والأخلاق الفاضلة.

ولنا أن نتصوَّر فرحة إبراهيم عليه السَّلام، الوحيد المهاجر المقطوع عن أهله وقرابته، عندما رُزق ـ على الرُّغْم من كِبَرِ سنِّه وشيخوخته ـ بغلام طالما تطلَّع إليه وتمنَّاه، وكان غلامًا متميِّزًا، ويشهد له ربُّه بأنه حليم. ولَكِنْ ما كاد يأنس به ويرى صباه يتفتَّح، ويرافقه في الحياة، ويشاركه في السعي، حتَّى رأى في منامه أنه يذبحه. ويدرك إبراهيم عليه السَّلام أنها إشارة من ربِّه للتضحية، لأنَّ رؤيا الأنبياء حقٌّ وصدق، فماذا كان من أمر هذا الأب؟ إنه لم يتردَّد، ولم يخالجه إلا شعور الطاعة، ولم يخطر له إلا خاطر التسليم لإرادة الله بمجرَّد الإشارة، لا الوحي أو الأمر المباشر، فهذا يكفيه كي يقدِّم لله أنفس ما عنده، ويجد بذلك أنه لم يقدِّم شيئًا، لأن ما قدَّمه إنْ هو إلا مُلْكٌ لله تعالى. ثمَّ يعرض الرؤيا على ولده إسماعيل في كلمات العاقل الحكيم، المالك لأعصابه، المطمئن للأمر الَّذي يواجهه، الواثق بأنه يؤدِّي واجبه، فيقول: {يا بنيَّ إنِّي أرى في المنامِ أنِّي أذبَحُكَ فانظر ماذا ترى} فهو يعرض عليه الرؤيا، ولم يقلْ له بأنه أُمِرَ بذلك ليعلم مدى تقبُّله لمضمون الرؤيا، وليعلم مدى صبره على التنفيذ، وليأخذ الطلب طاعة واستسلامًا، لا قهرًا واضطرارًا، لينال هو الآخر أجر الطاعة ولذَّتها، ويتذوَّق حلاوة التسليم. إنه يحبُّ لابنه أن يفوز بالخير الَّذي يراه أبقى من الحياة؛ فماذا كان من أمر الغلام الَّذي يُعرض عليه الذبح تصديقًا لرؤيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت