فهرس الكتاب
والده؟؟ إنه امتحان إلهي ليمحِّص إيمان الوالد وولده، الوالد يرى الرؤيا فيسرع لإخبار ابنه بها دون تردُّد، والولد يلبِّي طائعًا آخذًا الرؤيا كأمر إلهي، ويسلِّم للذَّبح ويقول: يا أبتِ امضِ لما أمرك الله به، فستجدني إن شاء الله صابرًا. إنه جواب من أوتي الإيمان اليقيني والحلم والصبر والرضا بقضاء الله وقدره، والقدرة على امتثال الأمر، فلمَّا صدق فيما وعد، أثنى الله عليه قائلًا: {واذكر في الكتابِ إسماعيلَ إنَّه كان صادقَ الوعد .. } (19 مريم آية 54) وفي قوله: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} نلاحظ أدبه مع الله والاستعانة به على ضعفه، والتبرُّء من حوله وقوَّته والاستمداد من حول الله وقوَّته، وإرجاع الفضل كلِّه لله إن هو أعانه على ما يطلب منه، وصبَّره على ما يُرَاد به.
ويخطو المشهد بنا خطوة أخرى تلي الحوار والكلام، ليصل إلى الفعل والتنفيذ ... ومرة أخرى يرتفع نُبْلُ الطاعة، وتعلو قوَّة الإيمان، وطمأنينة الرِّضا فوق كلِّ ما تعارف عليه بنو الإنسان. إن الأب العطوف الرحيم يمضي فيكبُّ ابنه على جبينه استعدادًا، وإنَّ الغلام يستسلم فلا يتحرَّك امتناعًا، وقد كاد الأمر أن يصبح حقيقةً وعيانًا؛ لقد أسلما، أي استسلما، وانقادا لأمر الله، وفوَّضا إليه الأمر سبحانه، وهذا هو الإسلام والاستسلام في حقيقته، ثقة وطاعة، ورضا وتسليم، وتنفيذ واطمئنان، وكلٌّ منهما ــ الأب والابن ـ لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر، الَّتي لا يمكن أن يصنعها غير الإيمان العظيم. والحكمة من ذلك كلِّه، أن الله اتَّخذ إبراهيم خليلًا، فلما سأل ربَّه الولد ووهبه له، تعلَّقَتْ شُعبة من قلبه بمحبَّة ولده، فأُرِيَ ذبح هذا المحبوب ليظهر صفاء الخُلَّة، فامتثل أمر ربِّه وبذلك قدَّم محبَّة الله على محبَّة ولده. وفي أدقِّ لحظات الامتحان يأتي النداء من قِبَلِ الله تعالى لإبراهيم، أن قد صدَّقتَ الرُّؤيا، وحصل المقصود منها بإضجاعك ولدك للذبح، فقد تحقَّق امتثالك للأمر وطاعتك، و (أن) هنا تحمل العتاب وتوقيف الفعل. ثمَّ قال تعالى: {إنَّا كذلك نَجزي المحسنين} نجزيهم على مسارعتهم إلى الإذعان لمثل هذا الابتلاء، وتوجيه قلوبهم ورفعها إلى مستوى الوفاء، وتصبيرهم على الأداء، ونجزيهم كذلك باستحقاق الثواب والعطاء.
ولا يخفى أن الله تعالى لا يريد الذَّبح حقيقة، لأنه سبحانه حرَّم القتل، وتوعَّد عليه بأشدِّ العذاب، فالله لا يأمُرُ بالفحشاء ولا بالمنكر، وإنما أراد سبحانه تطهير قلب إبراهيم خليله، من محبَّة ما سواه، فلما باشر إبراهيم عليه السَّلام ما يُنتج ذلك، وتحقَّقت الغاية من الرؤيا، تدخَّلت العناية الإلهية في اللحظة المناسبة، لتنهي هذا الامتحان الرَّهيب، معلنة نجاح التلميذين النجيبين (الأب والابن) بامتياز منقطع النَّظير؛ فيفتدي الله تعالى إسماعيل بذِبْحٍ عظيم القدر، وإنما عَظُم قدره لأنه فداء لإسماعيل من الذبح. ومضت بذلك سُنَّة النَّحر في عيد الأضحى، إحياءً لذكرى هذا الحادث العظيم، الَّذي يرتفع منارةً لحقيقة الإيمان، وجمال الطَّاعة، وعظمة التسليم، والَّذي ترجع إليه الأمَّة المسلمة لتعرف منزلة أبيها إبراهيم عليه السَّلام، ولتعرف أن ربَّها لا يريد أن يعذِّبها بالابتلاء،