فهرس الكتاب
أمَّا إسماعيل فهو جدُّ النبي محمَّد صلى الله عليه وسلم وقد خاطب الله المؤمنين مشيرًا إلى النَّسب الإبراهيمي بقوله: { .. وما جعلَ عليكم في الدِّين من حرجٍ مِلَّةَ أبيكُم إبراهيمَ هو سَمَّاكم المسلمين من قبل .. } (22 الحج آية 78) .
وأمَّا إسحاق فرزق بولد اسمه يعقوب، ويلقَّب بإسرائيل، وإليه ينتسب سائر أسباط بني إسرائيل، الَّذين كان من نسلهم كثير من الأنبياء الَّذين خُتِموا بعيسى بن مريم عليه السَّلام الَّذي قال لأتباعه كما جاء في إنجيل يوحنَّا [857] : (أبوكم إبراهيم تهلَّل بأن يرى يومي فرأى وفرح) . فمن هذه النصوص جميعًا يتبيَّن أن إبراهيم هو جدُّ اليهود والنصارى والمسلمين، وأن أتباع هذه الشرائع الثلاثة يلتقون في النسب عنده، فهم من أرومة واحدة، ويسعون إلى غاية واحدة، وهي العمل بوصايا الله الَّتي أنزلها عليهم، والَّتي تدعو إلى عبادة الله وحده؛ ليكونوا سعداء في هذه الدنيا وغدًا في الدار الآخرة. وكلُّ ما يبدو بينها من اختلاف أو تنافر فليس من أصلها، إنما هو من إساءة الفهم لحقائقها، وكلُّ ما في الأمر أن كلَّ شريعة لاحقة جاءت متوافقة مع الشريعة السابقة ومعيدة لها شبابها وحيويتها، ومضيفة إليها ما يناسب أهل زمانها، مختومة بشريعة الإسلام الَّتي أتت لتتوافق مع كلِّ زمان ومكان، ومحقِّقة للتوازن بين جميع الشرائع في رحاب القرآن الكريم.
وقد سُمِّي إبراهيم خليلًا لأن محبَّة الله تعالى تخلَّلت في كيانه، ولأنه يتمتَّع بصفات عظيمة، ورد ذكرها في القرآن الكريم، ونوجز أهمَّها بما يلي:
أوَّلًا ـ كثرة القنوت، والإيمان المطلق بوحدانيَّة الله عزَّ وجل، فهو يملك قلبًا صافيًا معافى من محبَّة الأغيار، قال تعالى: {إنَّ إبراهيمَ كان أُمَّةً قانِتًَا لله حنيفًا ولم يَكُ من المشركين} (16 النحل آية 120) وقال أيضًا: {وإنَّ من شيعَتِه لإبراهيم * إذ جاءَ ربَّه بقلبٍ سليم} (37 الصافات آية 83 ـ 84) . وقد رأينا فيما مضى أنه لما غزت قلبه محبَّة ولده الَّتي كادت تسيطر على قلبه أدركته العناية الإلهية بالدَّواء، الَّذي عقَّم قلبه من حبِّ ما سوى الله، حيث أُمِرَ بذبح إسماعيل، وقد فعل ما كانت ثمرته الصَّفاء التامَّ والإخلاص المطلق لله عزَّ وجل.
ثانيًا ـ كان شكورًا كثير الحمد والدعاء لله عزَّ وجل، قال تعالى: {شاكرًا لأَنْعُمِهِ اجتباه وهداهُ إلى صراطٍ مستقيم} (16 النحل آية 121) ، وقد أخبرنا الله عزَّ وجل بما كان يدعو به حيث كان يقول عليه السَّلام: {الحمدُ لله الَّذي وهَبَ لي على الكِبَرِ إسماعيل وإسحاق إنَّ ربِّي لَسَمِيعُ الدُّعاء * ربِّ اجعلني مُقيمَ الصَّلاة ومن ذُرِّيَّتي ربَّنا وتَقَبَّل دُعاءِ} (14 إبراهيم آية 39 ـ 40) .