فهرس الكتاب
عاشرًا ـ كان أوَّاهًا من كثرة الإنابة الصادقة إلى الله عزَّ وجل، حليمًا، قال تعالى: { .. إنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ حليمٌ} (9 التوبة آية 114) ، وقال أيضًا: {إنَّ إبراهيم لحليمٌ أوَّاهٌ منيبٌ} (11 هود آية 75) .
وقد حاز إبراهيم الخليل عليه السَّلام، هذه المكانة العالية والمنصب الرفيع، بتوفيق الله أوَّلًا وبما حمل من صفات كريمة فاضلة، وبما عمل من عمل التزم فيه المنهج الإلهي، بصدق وإخلاص منقطع النظير، وفي هذا تنبيه إلى أن من يعمل بمثل هذا الصدق، لابُدَّ أن يفوز بأعلى المنازل بدليل قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّهُ بكلماتٍ فأتمَّهُنَّ قال إنِّي جاعِلُكَ للنَّاس إمامًا .. } (2 البقرة آية 124) ومن أراد أن يَتَّبِعَ ملة إبراهيم حنيفًا فلابُدَّ من أن يكون جوهر روحه مضيئًا مشرقًا علْويًّا، قليل التعلُّق باللذات الجسمانية، ثمَّ يضيف إلى هذا الجوهر المقدَّس أعمالًا صالحة تزيده صقلًا، وأفكارًا بنَّاءة تزيده استنارة بالمعارف القدسية، كي يتوغَّل في عالم القدس والطهارة، ثمَّ لا يزال يزداد من هذه الأحوال الشريفة، إلى أن يصير مؤمنًا لا يرى إلا بالله، ولا يسمع إلا بالله، فهو مع الله في كلِّ حركاته وسكناته. أي أن هذه التصرفات تكون محكومة بشرع الله، وتغذي جوارحها طاقة نورانيَّة مستمدَّة من فضل الله، وبذا تظهر فضيلة التديُّن الحقِّ، وامتياز الإيمان عن الجهل والجاهلية.
وقد قدَّس الله ـ الحنيفيَّة ـ ملَّة إبراهيم عليه السَّلام ودعا إليها، لأنها اللبنة الأولى للشرائع السماوية وشجرتها الأم، ولأنها تعني الوصول إلى الله عبر العقل والحواس، ولأنها تجمع قلوب الخلائق على وحدانيَّة الله تعالى، وتزرع في ضمائرهم الصدق والإخلاص، وعلى هذه الحنيفية بُنيت رسالة الإسلام، لذلك قال تعالى: {إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بإبراهيمَ لَلَّذين اتَّبعُوه وهذا النَّبيُّ والَّذين آمنوا والله وليُّ المؤمنين} (3 آل عمران آية 68) ؛ صلَّى الله عليك يا إبراهيم ـ خليل الله ـ وجزاك عن البشرية كلَّ خير.
وبالإضافة إلى المآثر الكبرى الَّتي كانت لإبراهيم عليه السَّلام، فإن الله سبحانه اختاره وولده إسماعيل لبناء أوَّل بيت وضع لعبادة الله في هذه الأرض، ألا وهو الكعبة المشرَّفة، حيث قال الله تعالى: إنَّ أوَّلَ بيتٍ وضِعَ للنَّاسِ لَلَّذي بِبَكَّةَ مباركًا
وهدىً للعالمين * فيه آيات بيِّناتٌ مقامُ إبراهيمَ ومن دَخَلهُ كان آمنًا .. (3 آل عمران آية 96 ـ 97) .
ويشير كتاب الله إلى هذه المأثرة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام فيقول: {وإذ يَرفعُ إبراهيمُ القواعدَ من البيتِ وإسماعيلُ ربَّنا تَقبَّلْ منَّا إنَّكَ أنت السَّميعُ العليم * ربَّنا واجعلنا مُسلمَيْن لك ومن ذُرِّيَّتنا أُمَّةً مسلمةً لك .. } (2 البقرة آية 127 ـ 128) ومن أجل الإعداد لذلك أمر الله إبراهيم بأن يضع زوجته هاجر وولده (منها) إسماعيل الرضيع، بوادٍ غير ذي زرع، عند المكان الَّذي ستشاد