ـ من كان يدري أن لقيطًا من الماء (في نظر الناس) تحتضنه زوجة فرعون، ملك الملوك في مصر، لتُرَبِّيه هي وزوجها ويتعهَّدانه، ليكبر ويشتدَّ ساعده وهو في كنفهما. ثمَّ يغادرهما خائفًا طريدًا، ليعود إليهما نبيًَّا رسولًا وكليمًا لله تعالى، محاورًا ومنذرًا لفرعون من طغيانه وادِّعائه الألوهيَّة لنفسه؟.
ـ كان لابدَّ من تزويد موسى عليه السَّلام، بمعجزاتٍ بيِّناتٍ باهرة، نظرًا لتسلُّط فرعون وتجبُّره، وادِّعائه الألوهيَّة، معتمدًا بذلك على أمهر السحرة في زمانه، ليخدع الناس بسحرهم، ويؤثِّر على عقولهم ليؤمنوا به، فجاءت معجزة موسى عليه السَّلام عندما تَحوَّلت عصاه ـ بإذن الله ـ إلى حيَّة تسعى، لتبطل سحر السحرة، فكانت آية في القوَّة، وبإذنٍ من الله الَّذي بيده مقاليد كلِّ شيء، فلا يمكن لأمر ما؛ أن تقوم له قائمة، ما لم يأذن به الله سبحانه ويشاء.
ـ عندما جاء الأمر لموسى عليه السَّلام بدعوة فرعون وملئه إلى عبادة الله، أدرك صعوبة هذه المهمَّة، وشعر بالحاجة إلى مساعد له لأداء ما أُمر به، فطلب من ربِّه أن يشدَّ أزره بأخيه هارون؛ وفي هذا إشارة إلى أنه لابُدَّ لكلِّ داعية من أخ في الله يعينه ويؤيِّده ويسانده.
ـ ذكر الله وتسبيحه هما الطاقة الفاعلة، والقوَّة المحرِّكة لعمل الدعوة إلى دين الله، ومهما أوتي الداعي من علم وفصاحة وحُجَّة؛ فلا غنى له عنهما؛ لأن العلم المجرَّد من نور الله وذكره، يجعل من صاحبه قالبًا جامدًا، لا روح فيه ولا حياة، وبالتالي يكون علمه ميتًا لا روح فيه ولا حياة، فلا نفع له؛ لأن العلم النافع هو العلم الَّذي يثمر العمل في صاحبه، ويحرِّك دوافع التطبيق والامتثال في سامعه.
في رحاب الآيات:
لابُدَّ لكلِّ نبي أثناء مسيرته وجهاده في الدعوة إلى الله، من صعوبات ومشاقّ تعترض طريقه. وقد يعتريه في بعض الأحيان شيءٌ من الضعف والتعب، فهو في حاجة مستمرَّة إلى التثبيت وتقوية العزيمة، ولم يكن الله ليخذل أنبياءه أو يُخْلِفَهم موعده. فهو الَّذي أمرهم بالتبليغ ووعدهم بالنُّصرة؛ ولهذا كانت معونته تؤازرهم، وكان نصره وتأييده يحالفهم. وقد قصَّ الله تعالى على نبيِّه محمَّد صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات قصَّة نبي كريم ورسول عظيم لتكون تثبيتًا له وتأييدًا، وليجد فيها بعض العزاء والسلوى، قال تعالى: {وكُلاًّ نقصُّ عليك من أنباء الرُّسل ما نثبِّت به فؤادكَ وجاءك في هذه الحقُّ وموعظةٌ وذكرى للمؤمنين} (11 هود آية 120) .
وتبدأ الآيات الكريمة بالاستفهام التقريري، ومن سنن اللغة العربية أنه إذا أُريد تثبيت الخبر، وتقرير الجواب في نفس المخاطب أن يُلقى إليه بطريق الاستفهام، فالاستفهام غرضه التشويق