فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 400

لما سيأتي بعده، والمعنى: هل بلغك يامحمَّد خبر موسى وقصَّته العجيبة؟ إنه بعد خروجه من مَدْيَنَ صحب أهله وتوجَّه إلى سيناء، فلما بلغها لاحت له نار من بعيد، فترك أهله وتوجَّه نحوها كأيِّ عابر للصحراء، لعلَّه يأخذ من النَّار قَبَسًا يشعل به ناره، أو يجد عند النار من يهديه إلى الطريق الصحيح حتَّى لا يضِلَّ في متاهات الصحراء. فلما اقترب منها، رأى شجرة خضراء تشتعل فيها نار بيضاء، فوقف متعجِّبًا من شدَّة ضيائها وخضرتها، فسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورًا عظيمًا بين السماء والأرض له شعاع تكلُّ عنه الأبصار. وإذا بالنِّداء يأتيه من قِبَل هذا النور مهدِّئًا ومطمئنًا: {إنِّي أنا ربُّك فاخلعْ نَعليك} والمقصود بخلع النعلين هو تعظيم ذلك الموضع في الوادي المقدَّس، ولأن خلعهما أبلغ في التواضع، وحسن التأدُّب.

ثمَّ يخبر الله موسى عليه السَّلام في ذلك المقام عن قربه منه، وعن الأمانة الَّتي سيوكل إليه حملها، فقد اختاره ليكون رسولًا يبلِّغ رسالته، وأمر سبحانه موسى عليه السَّلام بالإصغاء التامِّ لما سيُلقى إليه؛ فكان أوَّل بند من بنود الرسالة هو تقرير وحدانيَّة الله تعالى، ذلك لأنها الدِّعامة الأولى الَّتي لا يمكن لأي بناء إيماني أن يبنى إلا عليها. ونلاحظ في هذه الجملة القصيرة: {إنَّني أنا الله لا إله إلاَّ أنا} استعمال ضمير المتكلم بشكل متتالٍ للتوكيد على ألوهيَّة الله، وأنه الفرد الصمد الَّذي ليس كمثله شيء. ثمَّ يأتي الأمر الحازم بالعبادة (فاعبدني) ، أي أفردني وحدي بالعبوديَّة منزِّهًا إيايَّ عن الأغيار، وعن جميع علائق الدنيا، وأدِّ الصلاة على وجهها الحقيقي لتكون صلةً بيني وبينك، وسندًا وعونًا لك على أداء رسالتي. واعلم أن يوم الحساب آتٍ لتعود الخلائق كلُّها إليَّ فأجزي كلَّ إنسان بما يستحقُّ، فلا تتَّبِع أهواء المنحرفين وأصحاب الدنيا وتنسى الآخرة، لأن ذلك يودي بك إلى الخسران المبين.

وبعد وضع حجر الأساس في بناء صرح الإيمان، يتصل الحوار بين الله ورسوله، فيسأله تعالى سؤال العالم الخبير عن تلك العصا الَّتي يحملها، وعن فائدتها؟. والغرض من السؤال هو أن يبيِّن له أنه سيجعل لتلك الخشبة ـ الَّتي ليس لها خطر كبير ولا منفعة عظيمة ـ جليل المزايا والفوائد الَّتي لا تخطر على بال، كانقلابها إلى حيَّة تسعى، وضرب البحر بها حتَّى ينفلق، وضرب الحجر لتتفجَّر منه اثنتا عشرة عينًا من الماء العذب كما حدث في مشاهد أخرى، ولينبِّهه إلى أن من كمال قدرته وبالغ عظمته، أنه يجعل من مثل هذه العصا، معجزات وأعاجيب فوق كلِّ تصوُّر وعلم بشري. فأجابه موسى عليه السَّلام الجواب المستفيض معدِّدًا ما لها من فوائد ومزايا: {قال هي عصايَ أتوكَّؤ عليها} أي أعتمد عليها إذا مشيت أو تعبت، أو وقفت على رأس القطيع من الغنم، {وأَهُشُّ بها على غَنمي} أي أضرب ورق الشجر بها ليسقط على غنمي فتأكله، ولي فيها مصالح ومنافع أخرى غير ذلك كحمل الزاد، وطرد السباع عن الغنم، وإذا شئت ألقيتها على عاتقي، فعلَّقت بها قوسي وكنانتي وثوبي، وإذا أردت ماءً قصَّر عنه رشائي وصلته بها. فلما انتهى موسى عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت