السَّلام من إجابته، جاءه الأمر الإلهيُّ، الَّذي سيكشف الله به لنبيِّه عن آية الإعجاز في تلك العصا، فقال له: {ألقِها ياموسى} فألقاها فدبَّت فيها قوَّة الحياة، وإذا هي حيَّة تسعى، وكم من ملايين الذرَّات الميتة تتحول في كلِّ لحظة إلى خليَّة حيَّة، لكنَّها لا تبهر الإنسان كما يبهره أن تتحوَّل عصا موسى عليه السَّلام حيَّة تسعى! ذلك لأن الإنسان أسير حواسِّه، وأسير تجاربه، فلا يخرج في تصوُّراته بعيدًا عمَّا تدركه حواسُّه. وانقلاب العصا حيَّة تسعى، ظاهرة حسيَّة، تصدم حسَّه فينتبه لها بشدَّة، أمَّا الظواهر الأولى لمعجزة الحياة، الَّتي تدبُّ في كلِّ لحظة، فهي خفيَّة قلَّما يُلْتَفت إليها، وخاصَّة أن الألفة تُفقدها جدَّتها، فيمرُّ عليها غافلًا أو ناسيًا. لذلك فقد أوجس موسى عليه السَّلام خيفة من العصا الَّتي انقلبت حيَّة تسعى، فقال له تعالى: {خُذها ولا تَخف} فإنها ستعود كما كانت، وتتسرَّب منها الحياة كما سرت فيها من قبل. ولا يخفى أن السرَّ في ذلك ليس مختصًّا في عصا معينة، بل لو أن موسى عليه السَّلام أو غيره، حمل أيَّة عصا أخرى غيرها، وجاء الإذن الإلهي بإظهار الإعجاز فيها، لما تخلَّف لحظة واحدة، فالقدرة الحقيقيَّة لله تعالى وليست لموسى عليه السَّلام ولا لغيره.
ويؤيِّد الله موسى عليه السَّلام بمعجزة ثانية؛ وهي خروج يده بيضاء لامعة، والآية الَّتي تتحدث عن ذلك قوله تعالى لرسوله: {واضْمُمْ يَدك إلى جَناحِك ... } أي أَدخل يدك تحت إبطك ثمَّ أخرجها، تخرج نيِّرة مضيئة كضوء الشمس، من غير عيب ولا بَرَصٍ. وهاتان آيتان من آياتي الكبرى، فاذهب بهما دليلين على نبوَّتك إلى فرعون وملئه، فقد تجاوز حدوده في الكفر والطغيان، حتَّى ادَّعى أنه الإله. فتهيَّب موسى عليه السَّلام الأمر؛ كيف يذهب إلى فرعون الطاغية، ورأس الكفر في زمانه؟ يضاف إلى ذلك أنه فرَّ من مصر بسبب قتله للمصري خطأً، وهل سيصَدِّقه فرعون؟ وهل سينجو من عقابه إذا كذَّبه؟ أسئلة متلاحقة تزاحمت في ذهن موسى عليه السَّلام، وتجسَّدت في هذا النداء (ربِّ) لقد ضاق صدري، فالمهمَّة عظيمة، والأمر جَلَلٌ فاشرح لي صدري، ونوِّره بنور الإيمان، واكشف همِّي، ويسِّر أمري، وفكَّ عقدة من لساني؛ وكان في لسان موسى عليه السَّلام حَبْسة (أو لثغة) تمنعه من كثير من الكلام، وكان حادَّ الطبع، سريع الانفعال، لذا طلب من الله أن يؤيده بأخيه هارون، ليكون عونًا له يحمل معه أعباء الرسالة، ويكون ظهيرًا له عند الشدائد، ولِما له من فصاحة اللسان، وثبات الجنان وهدوء الأعصاب. وفي هذا إشارة إلى أن صحبة الأخيار للأنبياء ومؤازرتهم مرغوب فيها، فضلًا عن غيرهم، وأنه لا ينبغي أن يكون المرء مستبِّدًا برأيه، حتَّى وإن كان نبيًا. ثمَّ بيَّن موسى عليه السَّلام أن مؤازرة أخيه هارون له ستجعل أمامهما متَّسعًا من الوقت ليعبدا الله حقَّ عبادته، فلا تشغلهما مهامُّ الرسالة عن العبادة؛ بل يتفرغان بعض الوقت للتسبيح والتقديس ويستغرقان في ذكر الله، الذكر المتَّصل؛ الَّذي يقوِّيهما ويمدُّهما بالعون والثقة بالنفس على مواجهة عدو الله، مستمدِّين العون من الله المراقب لهما، والعالم بأمورهما، والمطَّلع على أحوالهما الَّتي لا يخفى عليه شيءٌ منها. وفي هذا إشارة إلى