فهرس الكتاب
في رحاب الآيات:
هذه الروائع القرآنية تتحدَّث عن نفسها بنفسها، ولهذا سنكتفي بالإشارة إلى قبسات ورشحات عن المسيحية الأصيلة، كما جاءت في القرآن الكريم، نوجزها فيما يلي:
ـ ترجع بداية بزوغ فجر المسيحية إلى مشيئة إلهية، نفذت في حياة الأسرة العمرانية الكريمة، بعد أن التجأت امرأة عمران إلى ربِّها ـ وكانت عاقرًا ـ وتوسلت إليه بأن يرزقها الولد، فاستجاب الله دعاءها، ولمَّا تحقَّقت الحمل نذرت جنينها ـ وهو أعزُّ ما تملك ـ لخدمة بيت المَقْدِس. فكانت في عملها هذا نموذجًا مثاليًّا لمن بعدها في التضحية، بالغالي والنفيس، من أجل نصرة دين الله والدعوة إليه.
ـ الناس في عبادة الله وخدمة دينه سواء، وكذلك شأنهم في تحصيل مقامات القرب لديه، فلا فرق في ذلك بين ذكرهم أو أنثاهم، فمن جدَّ وجد ومن سار على درب التَّقوى وصل. ويتقبَّل الله تعالى كلَّ عمل يُرفع إليه مقرونًا بالإخلاص والصدق، قلَّ أم كثر، صَغُر أم عَظُم، فالأعمال بالنيَّات ولكلِّ امرئ ما نوى، والله يتولَّى نماء ذلك العمل المخلص ومضاعفة أجره.
ـ يتبارى الصالحون منذ القِدم في خدمة مَن أولاهم الله تعالى رعايته وفضله، فكان أهل الفضل وخواصُّ القوم، توَّاقين لرعاية مريم الطاهرة ونيل شرف خدمتها، فتنازعوا بشأن كفالتها، وما كان تنازعهم هذا إلا لأنهم رأوا في ذلك واجبًا دينيًّا، لاسيَّما وأنَّ أمَّها قد نذرتها للعبادة، ولخدمة بيت المَقْدِس، فاقترعوا بينهم فكانت الكفالة لزكريَّا ـ زوج خالتها ــ وكان معروفًا بالعلم والخُلق والتَّقوى، فتعهَّدها بالرعاية الحسنة والهداية التَّامة، حتَّى شبَّت وترعرعت على الفضيلة والإيمان، والاستقامة على طاعة الله، والسعي لتحقيق مرضاته.
ـ عندما دخلت السيِّدة مريم العذراء في مرحلة النُّضْج الروحي والجسدي، نالت وسام الاصطفاء من حضرة الله سبحانه وتعالى، ومن ثمَّ فقد أُمِرت بمتابعة الإعداد الروحي، والمداومة على العبادة، فكانت من خير العابدات، وكبرى العاشقات لله تعالى، المتذلِّلات بين يديه سبحانه، وواحدة من أفضل سيِّدات نساء العالمين.
ـ من الكرامات الَّتي منحها الله تعالى للسيِّدة العذراء، والَّتي كانت ثمرة من الثمرات الَّتي جنتها من تعبُّدها وقُنُوتها لربِّها وهي في ريعان الصِّبا؛ أن أغدق الله عليها في محرابها رزقًا طيِّبًا مباركًا، لا وجود لمثله عند الناس في ذلك الوقت. وفي هذا إيحاء للفتية والفتيات بأن يبدؤوا رحلة حياتهم بالتربية الروحية، والصفاء القلبي وحسن الصلة بالله، لتتحوَّل نفوسهم إلى تربة صالحة لزرع الطيِّبات.