فهرس الكتاب
ـ عندما أتى الملاك جبريل ـ بصورة رجل ـ إلى البتول مريم استعاذت منه بحضرة الله لهول المفاجأة، وذلك دليلٌ على عفَّتها وطهارتها. ويُستشفُّ من قولها له: {إن كُنْتَ تَقيًّا} بأن من يعرف الله ويتَّقيه يُخَوَّفُ بالله ويُحذَّر منه، وأن من لا يخشى الله لا يُخوَّفُ به بل يُهدَّد بالسلطة أو بالقضاء. فالاستعاذة بالله هي حال المؤمنين الأطهار عند كلِّ نازلة أو خطب يحطُّ بهم.
ـ عندما حصلت معجزة حمل العذراء بعيسى عليه السَّلام ـ بعد أن نفخ الملاك الكريم فيها من روح الله ـ ما كان منها إلا أن استسلمت لقضاء ربِّها، وذهبت بجنينها إلى مكانٍ بعيدٍ عن الناس، وقد عزمت على الاعتزال خشية إلحاق التُّهمة بها، والريبة في أمرها من قِبَل قومها. ولما حان أوان وضعها بدأت تعاني آلام الولادة فالتجأت إلى جذع نخلة لتتكئ عليه، وفي خضم هذه المحنة القاسية وتحت وطأة الشعور بثقل العبء الَّذي تحمَّلته، تمنَّت لو أن المنيَّة عاجلتها قبل وصولها لهذه المرحلة، أو أنها لم تكن ذات شأن في يوم من الأيام، بحيث لا تخطر ببال أحد، وكان الدافع الَّذي حملها على هذه الأمنية خوفها من إساءة الظنِّ بها، والتشكيك بورعها من جهة، وخوفها على قومها من نزول العقاب والهلاك بهم من جهة أخرى؛ جزاءً على البهتان الَّذي سيرمونها به.
ـ من عظيم رعاية الله بالصدِّيقة مريم، أن هيَّأ لها مكانًا لولادتها قرب نخلةٍ اتَّخذت من جذعها سندًا تتعلَّق به لتسهيل الولادة، ومن رطبها غذاءً يمدُّها بالقوَّة والحيوية. وقد أكَّدت الدراسات العلمية أن القيمة الغذائية العالية المتركزة في ثمرة الرطب، لا نظير لها ـ للناس عامَّةً وللنفساء خاصَّة ـ فهي تحوي نسبة عالية من أسيد الليمونيك، الَّتي تساعد على إنقاص نسبة الأسيد في البول والدم عندما تحترق في الجسم، كما يحوي التمر على نسبة عالية من السكر الطبيعي، الَّذي يمتصُّه الجسم بسرعة كبيرة، فيمدُّه بالنشاط والحيوية.
ـ عندما حانت اللحظات الحرجة، وظهرت السيِّدة البتول مع ابنها أمام أعين الناس، انهالت عليها التُّهم بلا رحمة أو شفقة، وهي الَّتي ما عُرف عنها إلا الصلاح، وأنها ابنة الصالحين أبًا عن جد؛ حينها تدخَّلت العناية الإلهية، لتواسيها وتأمرها بألا تنبس ببنت شفة، وذلك لئلا ترهق نفسها، وتبذل مجهودًا بالحوار في مسألة ردِّ التُّهمة عنها. وقد تكفَّل الله بالدِّفاع عنها، فأوحى إليها بأن تشير إلى ولدها الرضيع في مهده، ليكلِّموه ويسألوه، فتعجَّب القوم من ذلك، إلا أن الطفل الرضيع نطق بقدرة الله ومشيئته، معلنًا للملأ براءة أمِّه القدِّيسة، مبيِّنًا أنه عبدٌ لله، وصاحب رسالة، وأمين على كتاب الله. وبهذا فإن الله تعالى قد جعل دليل براءة مريم من جنس دليل اتِّهامها، فكان كلٌّ من الأمرين معجز، وكان تأييد الله للصدِّيقة مريم وولدها بالكرامات والمعجزات، كفيلًا للدعوة المسيحية بالظهور والانتشار. وقد استندت هذه الدعوة في قيامها واستمراريتها على أسسٍ أهمها: