فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 400

وقد شاءت إرادة الله أن يعيش هذا المولود يتيمًا؛ فقد توفي والده عبد الله قبل ولادته، ثمَّ ما لبثت أمُّه أن توفيت وله من العمر ستُّ سنوات، فتكفَّل به جدُّه عبد المطلب، ومن بعده عمُّه أبو طالب الَّذي ضمَّه إلى أسرته، وأشرف على تربيته كابنٍ من أبنائه، وكان يُكِنُّ له حبًا كبيرًا جعله شديد الحرص عليه في طفولته، وكثير الاهتمام بمسألة الدفاع عنه بعد نبوَّته. وقد حدث مرَّة أن أراد أبو طالب السفر بتجارة إلى بلاد الشام، فصعُب على محمَّد فراق عمِّه، فاستأذنه بالرحيل معه، فرقَّ له وأخذه، وكان له من العمر اثنتا عشرة سنة. ولما وصلت القافلة إلى ضاحية مدينة بصرى، أشرف بحيرا الراهب عليها ورأى فيمن رأى محمَّدًا، ورأى فيه أمارات النبوَّة الَّتي قرأها في كتب النصرانية، فأوصى عمَّه أن يكون حذِرًا عليه من اليهود، فعمل أبو طالب بما نبَّهه إليه بحيرا، دون أن يكون له أي تأثير في فكر محمَّد صلى الله عليه وسلم، كما يدَّعي بعض المستشرقين.

وبعد هذه الرحلة شرع محمَّد يعمل بالتجارة، وهي العمل الَّذي كان يمارسه أجداده وقومه، لكون مكَّة واديًا غير ذي زرع. ولما بلغ من العمر خمسًا وعشرين سنة، سافر إلى بلاد الشام للمرَّة الثانية، في تجارةٍ تخصُّ خديجة بنت خويلد، وهي سيِّدة كانت توكل إلى الرجال أمر تجارتها، وقد رغبت في إسناد هذه المهمَّة إلى محمَّد، الَّذي عُرف بين القوم بحسن الخلق، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، حتَّى اشتُهِر عنه لقب (الصادق الأمين) ، وصار موضع ثقة الناس واحترامهم. وقد أرسلت معه خادمها ميسرة، فذهبا واتَّجرا بمالها وربحا ربحًا وافرًا، ولما رجَعَا إلى مكَّة أخبر ميسرة سيِّدته بما رأى من غرائبَ شَهِدَها بصحبته محمَّدًا في تلك الرحلة؛ فقد كان من شأنه أنه كلَّما اشتدَّ الحرُّ، رأى ملَكين يظلِّلانه من حرارة الشمس وقيظها، فأُعجِبت خديجة بما سمعت، وأرسلت إليه تخطبه لنفسها وكانت في الأربعين من عمرها، فقبل محمَّد وأرسل عمَّه يطلب يدها من أهلها ثمَّ تزوجها.

وهكذا استقرَّت أوضاع محمَّد الاجتماعية والمادية، حتَّى إذا تجاوز الثلاثين، بدأت حياته تأخذ منعطفًا جديدًا، فحُبِّب إليه العزوف عن الناس في أغلب أوقاته، إلا فيما كان فيه حقٌّ للمجتمع كمساعدة الضعيف، ونُصْرة المظلوم، وإكرام الضيف، وصلة الرحم. وصار شديد الميل إلى العزلة والخلوة الَّتي كانت بمثابة مرحلة إعداد روحي للنبوَّة، واتَّخذ من غار حراء مكانًا لخلوته هذه، بعيدًا عن الناس، حتَّى أتاه الوحي وأُمِرَ بالتَّبليغ.

إنَّ الوحي السَّماوي هو السِّمة البارزة، والعلامة المميَّزة الَّتي تفرِّق بين الحقيقة والادِّعاء، وهو السِفارة الإلهيَّة بين الأرض والسماء، ينزِّله الله على من اصطفى من الرسل والأنبياء. وهو الفيصل الوحيد بين الإنسان الَّذي يفكِّر ويشرِّع بواسطة رأيه وعقله، والإنسان الَّذي يبلِّغ عن ربِّه دون أن يغيِّر أو يزيد أو ينقص، فينقل بواسطة هذا الوحي كافَّة الإخبارات الغيبية، وشؤون العقيدة وأحكام التشريع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت