فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 400

إن تصديق المسلمين وإيمانهم بظاهرة الوحي وخبر السماء، هو تصديق لما جاء به محمَّد صلي الله عليه وسلم من عند الله، وإن أدنى تشكيك بحقيقته يورث تشكيكًا بكلِّ ما قد يتفرَّع عنه من عقائد وأحكام. وكلمة الوحي تحمل مدلولات كثيرة، ولكنَّها إذا أُسنِدت إلى النَّبي محمَّد صلي الله عليه وسلم فهي تدلُّ على خبر السماء الَّذي كان ينزل به جبريل الأمين، ليبلِّغه إلى الناس أجمعين. أمَّا قصَّة بدء الوحي المَروِيَّة، فقد رواها مسلم وغيره بالنصِّ التالي: «عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أوَّل ما بُدئ به رسول الله صلي الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (في الوضوح لأنها من وحي الله تعالى) ، ثمَّ حُبِّب إليه الخلاء (أي حبَّب الله إليه أن يختلي بعيدًا عن الناس) ، وكان يخلو بغار حراء فيتحنَّث (أي يتعبَّد) فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوَّد لذلك، ثمَّ يرجع إلى زوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فيتزوَّد لمثلها حتَّى جاءه الحقُّ (أي جبريل عليه السَّلام) وهو في غار حراء فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطَّني (أي ضمَّني بشدَّة إلى صدره) حتَّى بلغ مني الجهد ثمَّ أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطَّني الثانية حتَّى بلغ مني الجهد ثمَّ أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطَّني الثالثة ثمَّ أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربِّك الَّذي خَلَق * خَلَقَ الإنسانَ من عَلق * اقرأ وربُّك الأكرم * الَّذي علَّمَ بالقلم} (96 العلق آية 1 ـ 4) فرجع بها النبي صلي الله عليه وسلم يرجُفُ فؤاده فدخل على خديجة فقال: زمِّلوني زمِّلوني (أي غطوني بالثياب ودثِّروني) فزمَّلوه حتَّى ذهب عنه

الرَّوْع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيتُ على نفسي، فقالت خديجة:

كلا والله ما يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتُكْسِب المعدوم، وتُقْري الضيف، وتعين على نوائب الحقِّ، وانطلقت به حتَّى أتت ورقة بن نوفل ابن عمِّها، وكان امرأً قد تنصَّر في الجاهليَّة، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانيَّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ فقالت له خديجة: يابن عمِّ اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلي الله عليه وسلم بخبر ما رأى فقال له ورقة: هذا النَّاموس (أي صاحب السِّر الإلهيِّ الَّذي كان يتنزَّل على الأنبياء) الَّذي نزَّلَ الله على موسى، ياليتني فيها جَذَعًا، ليتني كنت حيًّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: أَوَ مُخرجيَّ هم؟ قال: نعم. لم يأتِ رجل قطُّ بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يدركني يومُك أنصرك نصرًا مؤزَّرًا. ثمَّ لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي».

لقد كانت حِكَمٌ إلهية كثيرة تكمن وراء العديد من الأحداث المتعلِّقة بنزول الوحي، وهي تتناول بدء نزوله لأوَّل مرَّة، ورؤية الرسول صلي الله عليه وسلم لجبريل عليه السَّلام عيانًا ودون حجاب، وما رافق هذه الحادثة من مشاعر الهيبة والرهبة والحَيْرة الَّتي انتابت قلبه عليه الصَّلاة والسَّلام، ثمَّ ما تلا ذلك من انقطاع الوحي عنه بعد ذلك مدَّة طويلة، وجَزَعِ النبي صلي الله عليه وسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت