بسبب ذلك جزعًا شديدًا. فالحكمة الَّتي كانت تنطوي عليها تلك المراحل والأحداث تحمل دلالات واضحة على أن ظاهرة الوحي ليست أمرًا ذاتيًا داخليًا مردُّه إلى حديث النفس المجرَّد، وإنما هي استقبال وتلقٍّ لحقيقة خارجيَّة لا علاقة لها بالنفس وحَدْس الذَّات، فقد فوجِئ محمَّد صلي الله عليه وسلم، وهو في غار حراء، بجبريل أمامه يراه بعينه وهو يقول له: اقرأ. ويُعَدُّ ضمُّ المَلَك جبريل إيَّاه ثمَّ إرساله له ثلاث مرات، قائلًا في كلِّ مرَّة: اقرأ، تأكيدًا لهذا التلقِّي الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يُتَصَوَّر من أن الأمر لا يعدو كونه خيالًا داخليا فقط. وأمَّا الخوف والفزع الَّذي انتابه لِمَا سمع ورأى في الغار، حتَّى جعله يقطع خلوته، ويسرع إلى البيت مرتعش الفؤاد، فإنه يوضح أن ظاهرة الوحي هذه لم تأت متمِّمة لشيء ممَّا كان النبي صلي الله عليه وسلم يتصوَّره أو يخطر في باله، وإنما فوجئ بها وبالرسالة دون أي توقُّع سابق. ولاشكَّ أن هذا الحال ليس من شأن من يتدرَّج في التأمُّل والتفكير، إلى أن تتكوَّن في نفسه عقيدة يؤمن بالدعوة إليها.
وممَّا يدل على شِدَّة فزعه صلي الله عليه وسلم من رؤية الوحي قوله للسيِّدة خديجة: «لقد خشيت على نفسي» أي من أن يكون ما أخبرتك به طائفًا من الجنِّ، إلا أنها طمأنت قلبه المروَّع بأنه لا سلطان للشياطين والجانِّ على أمثاله ممَّن يتمتَّعون بالأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة. وقد كان الله عزَّ وجل قادرًا على أن يثبِّت قلب رسوله، ويطمئن نفسه بأن هذا الَّذي كلَّمه ليس إلا جبريل ـ ملك من ملائكة الله جاء ليخبره أنه رسول الله إلى الناس ـ ولكنَّ الحكمة الإلهية اقتضت إظهار الانفصال التَّام بين شخصية محمَّد صلي الله عليه وسلم قبل البعثة وشخصيته بعدها. ثمَّ إن في قرار السيِّدة خديجة الذهاب به صلي الله عليه وسلم إلى ورقة ابن نوفل وعرض الأمر عليه ـ وهو الشيخ الهرم العليم بشؤون النصرانية واليهودية ـ تأكيدًا من جانب آخر بأن هذا الَّذي فوجئ به صلي الله عليه وسلم، إنما هو الوحي الإلهي، الَّذي كان قد أُنزل على الأنبياء من قبله. ولو أننا أنعمنا النظر في تصرُّف السيِّدة خديجة، وموافقة الرسول صلي الله عليه وسلم على الذهاب إلى ورقة بن نوفل، لوجدنا أنه من أكبر الأدلَّة على البراءة وخُلُوِّ نفس الرسول صلي الله عليه وسلم من أيِّ تفكير ذاتي سابق فيما حصل له من أمر الوحي، ولو كان كما يدَّعي المغرضون إشراقًا نفسيًا بعد طول تأمُّل، ونبعًا ذاتيًّا؛ لما كان له هذا الوَقْعُ الشديد في نفسه، وكيف يستغرب الإنسان أمرًا طالما سعى لتحقيقه، ولو كان الأمر كذلك، لأنِفَ الذَّهاب إلى ورقة ولاعتزَّ بنفسه وترفَّع عن أن يطلب إلى من هو دونه بكثير ليفسِّر له ما حصل له، ومن هو ورقة بن نوفل لولم يقترن اسمه بهذه الحادثة الخالدة؛ فلولاها لا نذكر اسمه ولما ذكره ذاكر. فالحقُّ أنه وحي إلهي حقيقي قصد تشريف محمَّد بن عبد الله عليه الصَّلاة والسَّلام بهذه الرسالة الخالدة الَّتي حملها إلى الناس كافَّة.