فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 400

أمَّا انقطاع الوحي بعد ذلك فينطوي على دليل آخر وحكمة إلهية بالغة، فيها أبلغ الردِّ على التعليل الَّذي أدلى به محترفو الغزو الفكريِّ الهدَّام، حول ظاهرة الوحي السماوي، وتفسيره بالإشراق النفسي المنبعث نتيجة تأمُّل حثيث، وتفكير طويل، وأنه أمر داخلي منبعث من أعماق ذاته. فلقد شاء الله عزَّ وجل أن يحتجب عنه جبريل عليه السَّلام بعد أن رآه للمرَّة الأولى في غار حراء مُدَّة طويلة، وأن يستبدَّ به القلق والخوف من أن يكون الله عزَّ وجل قد قلاه بعد أن أراد تشريفه بالوحي والرسالة، لسوء قد صدر منه، فضاقت عليه الدنيا، وانقطع عنه الزاد، واستوحش قلبه من الحبيب، وبقي للهاجرة وحده، بلا زاد وبلا عزاء، وهذا أمر صعب الاحتمال من كافَّة الوجوه. ذلك أنَّ الفراق صعب، لا سيَّما فراق الأحباب وخُلَّص الأصحاب، فكيف إذا داخل روعنا الشكُّ بأن ربَّ العالمين، قد تخلَّى عنا، وتركنا نهيم في وديان الوحشة والهجران. فأيُّ لوعة أصابت النبي صلي الله عليه وسلم عندما فتر عنه الوحي حتَّى صار حديث الناس: إن ربَّه قد قلاه. وينزل عليه الوحي بعد ذلك ـ وقد ذبلت حشاشة القلب ـ بمؤانسة لطيفة، وتسرية وتسلية، وترويح وطمأنينة، يحمل إليه أنسامًا من الرحمة وندىً من الودِّ، وهدهدة للروح الحائرة، والقلب الموجوع، وهذا ما تضمَّنه قوله تعالى: {والضُّحى * والليل إذا سجى * ما ودَّعك ربُّك وما قلى * ولَلآخرة خيرٌ لك من الأولى * ولَسوفَ يُعطيكَ ربُّك فترضى * ألم يَجِدكَ يتيمًا فآوى * ووجدكَ ضالاًّ فهدى * ووجدك عائلًا فأغنى * فأمَّا اليتيم فلا تقهر * وأمَّا السَّائل فلا تنهر * وأمَّا بنعمة ربِّك فحدِّث} (93 الضحى آية 1 ـ 11) .

وقد ابتدأ الله تعالى السورة بقَسَمٍ كريم، يؤكِّد من خلاله عهدًا لن يتغير، وهو ميراث لكلِّ مؤمن صادق بأن الله تعالى دائمًا وأبدًا يكلأ عباده المخلصين بعنايته ورعايته، وأن عطاءه الكريم قائم في الحياة الدنيا، وهو أفضل وأكرم في الدار الآخرة. وإن القَسَم بهذين الوقتين الرائعين الموحيين، الضُّحى وما فيه من الحياة والحيوية، والليل وما فيه من السكينة والهدوء، يربط بين ظواهر الكون ومشاعر النفس، ويوحي إلى القلب البشري بالحياة الشاعريَّة المتجاوبة مع هذا الوجود، المتعاطفة مع كلِّ حيٍّ، فيعيش ذلك القلب في أُنْسٍ من هذا الوجود.

وربَّما أقسم عزَّ وجل بالضحى والليل لكونهما الوقتين اللَّذَيْن كان يخلو فيهما رسول الله بربِّه، حيث تحلو المناجاة مع الله والتودُّد إليه، أو رمزًا لانبلاج النور الإلهي بعد هيمنة ظلام الكفر، أو لحلول ضحى الفَرَج على الرسول وانزياح ليل الشدَّة والعُسْر. وبعد هذا الإيحاء الكوني يجيء التوكيد المباشر: {ما ودَّعك ربُّك وما قلى* وللآخرة خيرٌ لكَ مِنَ الأولىَ} أي ما تركك ربُّك ولا جفاك، فهو ربُّك وأنت عبده المنسوب إليه، وهو راعيك وكافلك، وما غاض معين فضله، وفيض عطائه، وأن آخرة الأمر في الدنيا خير من أوَّله، وأنه سيتبع هذا العناء والشدَّة، النصر وإقامة قواعد الشريعة المتجلِّية في إرساء الصدق والعدالة الاجتماعية، والبناء الأخلاقي المتكامل في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت