فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 400

الأرض. أخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «عُرض عليَّ ما هو مفتوح لأُمَّتي بعدي فسرَّني، فأنزل الله وللآخرة خير لك من الأولى» ..

ثمَّ توالى نزول الوحي على رسول الله صلي الله عليه وسلم على مراحل بعد هذه المُدَّة من الانقطاع، وظهر جبريل الأمين بعدها وقد ملأت ذاته ما بين السماء والأرض يقول: يامحمَّد إنك رسول الله إلى الناس؛ فعاد مرَّة أخرى وقد استبدَّ به الخوف والرعب إلى البيت، حيث نزل عليه قوله تعالى: {ياأيُّها المُدَّثر * قُم فأنذر} ، قال جابر رضي الله عنه في حديثه عن النبي صلي الله عليه وسلم: «بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الَّذي جاءني بحراء جالس على كرسيٍّ بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت: زمِّلوني زمِّلوني فأنزل الله تعالى: {ياأيُّها المُدَّثر * قُم فأنذر * وربَّك فكبِّر * وثيابكَ فطهِّر * والرُّجْزَ فاهجر} (74 المدثر آية 1 ـ 5) فحمي الوحي وتتابع» (رواه الشيخان والترمذي) .

ولكِنْ لِمَ اقتصرت رؤية الوحي على النبي صلي الله عليه وسلم دون الصحابة، على الرغم من وجودهم حوله لحظة نزوله في كثير من الأحيان؟! ذلك لأنه ليس من شرط وجود الموجودات أن تُرى بالأبصار، إذ أن وسيلة الإبصار فينا محدَّدة بحدٍّ معين، وإلا لاقتضى ذلك أن يصبح الشيء معدومًا إذا ابتعد عن البصر بعدًا يمنع من رؤيته. على أنه من اليسير على الله جلَّ وعلا ـ وهو الخالق لهذه العيون المبصرة ـ أن يزيد في قوَّة ما شاء منها فترى ما لا تراه العيون الأخرى.

ثمَّ إن في استمرار الوحي بعد ذلك دلالة على حقيقته وعلى أن جبريل عليه السَّلام مَلَكٌ مُرسَل من الله عزَّ وجل؛ وأن الإيمان بالوحي يقتضي الإيمان بأن محمَّدًا صلي الله عليه وسلم قد أوحي إليه، وبالتالي أن نوقن بأن القرآن الكريم كلام الله عزَّ وجل أوحى به إلى رسوله صلي الله عليه وسلم ليهتدي به الناس، خاصَّةً وأن مهمَّة الرسل هي دلالة الناس وهدايتهم إلى الطريق المستقيم. ولكِنْ لابدَّ للناس من عطاء إلهي، ومن نور يُقذف في أعماق أرواحهم لينيرها به وتتوهَّج، فيصبحوا قادرين على سلوك هذا الصراط السوي، ولابدَّ من حافز روحي يدفع صاحبه بعزم وقوَّة تجاه تنفيذ الأوامر الإلهية، إذ القناعة الفكريَّة وحدها لا تكفي. وعندها يصبح العقل قادرًا على إدراك حقيقة الوحي ومعرفة مدلولاته والتَّفاعل معه، وهذه وظيفته في الهداية والانضباط الصحيح الَّذي لا يأتيه الباطل. أمَّا حين يستقلُّ العقل البشري بذاته بعيدًا عمَّا جاء به الوحي، فإنه يتعرض للضلال والانحراف وسوء الرؤية والتقدير والتدبير، بسبب طبيعة تركيبه في رؤية الوجود أجزاءً لا كُلًا واحدًا متصلًا، وبسبب ما رُكِّبَ في الكيان البشري من شهوات وأهواء ونزعات لابدَّ لها من ضابط ووازع إيماني. وهكذا فإن العقل نفسه يحتاج إلى ضابط يضبطه عن الميل وهو نور البصيرة، والله تعالى جعل حجَّته على الناس، الوحي والرسالة، ولم يجعلها عقلهم البشري ولا حتَّى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت