سورة الزمر (39)
وقال أيضًا: {إنَّك ميِّتٌ وإنَّهم ميِّتون (30) } .
ومضات:
ـ لقد كان محمَّد صلى الله عليه وسلم بشرًا كسائر البشر، وهذا ما صرَّح به وأعلنه مرارًا على قومه، ونفى عن نفسه ادِّعاء أيِّ صفة من الصفات الَّتي تخرجه عن طور البشرية إلى غيرها؛ فما هو بملَك وليس بإله ولكنَّه بشر رسول.
ـ كان من المعهود عند غالبيَّة الناس ـ منذ بداية نزول الرسالات السماوية ـ إصرارهم على محاولة الاستفادة من الأنبياء والرسل في النواحي المادية، وذلك بسؤالهم عن الغيب وكأنهم شركاء لله عزَّ وجل في معرفته، وفي القدرة على كشف الضُّر وجلب الخير؛ متناسين أن الأنبياء والرسل بشر لا تتعدَّى إمكاناتهم الذاتيَّة حدود بشريَّتهم إلا بإذن الله، ولو كان في مقدورهم أن يطَّلعوا على الغيب لكانوا أوَّل المستفيدين منه والمستغلِّين له؛ ولكن المخلوق مهما كان، وكائنا مَنْ كان لا يملك أن يفعل شيئًا إلا بمشيئة الله تعالى.
ـ وصل تفكير المشركين حدًّا من العقم؛ جعلهم يشترطون على الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم أمورًا فوق حدود بشريَّته، وخارجة عن نطاق مهمَّته؛ فتارةً يطالبونه بالمعجزات والأعطيات، وتارةً يريدون منه أن يُعْلِمَهُم بما يخبِّئه الغيب لهم، ليستفيدوا من الفرص المتاحة لهم، ويتجنَّبوا المخاطر الَّتي قد تحيط بهم، ويحظَوْا بالنعم دون تعب أو عناء أو ابتلاء.
ـ إن صاحب البصر والبصيرة يدرك بأن المعطي والواهب والمقدِّر هو ربُّ العالمين وحده، وأن لا سبيل لبشر ـ مهما علا قدره ـ أن يتحكَّم بأقدار الناس أو يتلاعب فيها.
ـ رسلُ الله بشر يطرأ عليهم ما يطرأ على البشر من يسر وعسر، وصحَّة ومرض، ونوم ويقظة، فإذا ما استوفَوْا آجالهم أمر الله ملك الموت بقبض أرواحهم، فيموتون كما يموت البشر. ومحمَّد صلى الله عليه وسلم كان واحدًا من هؤلاء الرسل، أدَّى الأمانة وبلَّغ الرسالة، ونصح عباد الله، ثمَّ انتقل إلى جوار ربِّه.
في رحاب الآيات:
عندما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة قومه إلى الإيمان بوحدانية الله تعالى، وبأنه رسول من عند الله إليهم، انقلبوا عليه أعداءً ألِدَّاء، وخصومًا أشدَّاء، وما كانت حجَّة أكثرهم في