فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 400

إعراضهم إلا أن قالوا: ما كان لنا أن نتَّبع بشرًا مثلنا، وأخذوا يتمادَوْن في غيِّهم وتكذيبهم، ويسرفون في مطالبته بما هو فوق حدود بشريَّته ليؤمنوا به ويصدِّقوه. فجاء توجيه الله لرسوله بأن يبيِّن لهم أنه بشر وما هو بإله، ويسوق لهم الأدلَّة على بشريَّته؛ فهو الَّذي لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرًا ولا نفعًا إلا بإذن الله. إنه إنسان لا يُميَّز عن غيره إلا بما اختصَّه به خالقه من النبوَّة وتبليغ الرسالة، وهو يريد من الناس أن يؤمنوا بنبوَّته ضمن هذه الأطر البسيطة المعقولة، وبالتالي أن يتقبلوا تعاليم الشريعة، بوصفها وسيلةً لإسعادهم في حياتهم الحاضرة، وآخرتهم الَّتي سيصيرون إليها عما قريب.

وانطلاقًا من هذه الحقيقة يوجِّه الله رسوله خاصَّة والناس عامَّة إلى وجوب معرفة حدود إمكانياتهم وطاقاتهم، والعمل ضمنها دون تبجح أو ادِّعاء. فما محمَّد إلا رسول الله، وبشر يسري عليه ما يسري على البشر، فهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، ولا يملك خزائن الله فيغدق منها على أتباعه، فما هو بملَك وما هو بإله، ولكنه رسول ينطبق عليه ما ينطبق على غيره بهذا الخصوص؛ فهو لا يعلم الغيب، ولا يعرف مكامن الخير فيه حتَّى يستكثر منه لنفسه أو لغيره، ولم يخرق حجب المستقبل إلا بالقدر الَّذي ينبِّئه الله تعالى به ويطلعه عليه. ولو تمَّ له ذلك بشكل مطلق لكان أعظم المستفيدين من هذه القدرة في استقطاب جماهير الناس من حوله، وفي محاولة تألُّفِ قلوبهم وتيسير شؤونهم من جهة، وفي تسخير هذه القدرة لمصلحته الشخصية من جهة أخرى، بحيث يتَّقي بها السوء والأذى إن كان مقدَّرًا عليه، كما يستزيد عن طريقها من أبواب الخير والمنفعة.

فعند عَتبةِ باب الغيب تقف الإمكانيات البشرية، ولا يفتح ذلك الباب لأحد من الناس فيطَّلع على ما وراءه إلا بإذن من الله؛ ولا يكون ذلك إلا للصفوة المختارة منهم، الَّذين لا يطلعهم الله تعالى إلا على القَدْر اليسير منه متى شاء ودون قيد أو شرط من أتباعهم. وهكذا كان شأن رسل الله جميعًا في ذلك، وهكذا كان شأن خاتمهم محمَّد صلى الله عليه وسلم الَّذي اقتفى آثار أولئك الرسل، وتابع إشادة صرح بنائهم في الدعوة إلى الدِّين القيِّم، حتَّى إذا أتمَّه وأكمله، انتقل إلى جوار ربِّه كما انتقلوا، ونَفَذَ فيه قانون الله كما في سائر مخلوقاته: {كلُّ من عليها فَان * ويبقى وجهُ ربِّكَ ذو الجلالِ والإكرام} (55 الرحمن آية 26 ـ 27) . وتأكيدًا لهذه الحقيقة وقف خليله الصدِّيق يوم وفاته موقفًا ثابتًا أمام من أنكروا موت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أيُّها الناس من كان يعبد محمَّدًا فإن محمَّدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت) ، وهنا تتجلَّى روعة الإسلام الَّذي رقى بأتباعه من التعلُّق بشخص الرسول إلى التعلُّق بالمرسِل ومصدر الرسالة، فكانت صلتهم بالله تعالى صلة وثيقة يتطلَّعون إليها، وعروة وثقى عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم وبين خالقهم فتمسَّكوا بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت