في خضمِّ المتاهات الفكرية، والصراعات القبلية، وفي ظلِّ العبودية والرِّق وحكم الأقوياء وتسلُّطهم، وفرضهم لمعتقداتهم الَّتي يتستَّرون وراءها، بُعث النبي محمَّد صلى الله عليه وسلم في شبه الجزيرة العربية، وأُعطيت له رسالةٌ واضحة الأهداف، راقية بأخلاقياتها وسُمُوِّها الروحي؛ لإنقاذ الجنس البشري وتنظيم مسيرته لما فيه خيره وسعادته. وقد بعثه الله تعالى عربيًا من جنس قومه وبلسانهم؛ ليكون أسوتهم وليتمكَّنوا من الاقتداء به. فلم يكن غريبًا عنهم بل إنه وُلد فيهم، وترعرع بينهم، وعاش بين ظهرانيهم أربعة عقود كاملة قبل بعثته. وقد علموا فضله في كلِّ ناحية من نواحي حياته، واختبروا أخلاقه وعاداته منذ صباه ونعومة أظفاره إلى أن بلغ أَشُدَّه واستوى، وخرج إلى الناس يدعوهم إلى الإسلام، ويبلِّغهم كلام الله تعالى بالشكل الَّذي نزل عليه، ويبيِّن لهم الأهداف الَّتي يرمي إليها، ويعلِّمهم أمور الحلال والحرام، والخطأ والصواب وينير لهم سبل العلم والمعرفة، ويزرع في عقولهم الحكمة ليزدادوا رقيًّا وكمالًا. وفي هذه الآيات الكريمة يُذكِّر الله المؤمنين بما امْتَنَّ به عليهم وتفضَّل من بعثة النبي فيهم، فكانت فاتحة تاريخ مشرق ومستقبل ناجح متألِّق، كما يحدد تعالى المهامَّ الَّتي بُعث الرسول بها، وهي تعليمهم القرآن والحكمة وتزكية نفوسهم.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو على أصحابه كتاب الله شارحًا لمعانيه، موضحًا لأهدافه، ليتَّخذوه دستورًا لحياتهم، وليطبِّقوا برنامجه الربَّاني الكامل؛ فيَسعدوا في أنفسهم ويُسعِدوا غيرهم، ويرتقوا بتعاليمه إلى قِمم النجاح في مستقبلهم الدنيوي والأخروي. وقد آتت هذه التلاوة ثمارها يانعة منذ عصر النبوَّة؛ فتحقَّق بها إنقاذ الأمَّة من ظلماتٍ بعضها فوق بعض إلى نور العلم والحضارة والرقي، وتبوَّأت مكان الصدارة في قيادة العالم، وصارت خير أمَّة أخرجت للناس. تلك بعض الثمرات على المستوى الجماعي، أمَّا على الصعيد الفردي فكان لتلاوة آيات الله جاذبية تسري في النفوس، فتحيل المستمع من جاهل إلى عالم، ومن عدو إلى حبيب، وكثيرًا ما كانت هي الدافع الَّذي حمل الكثيرين على الدخول في الإسلام.
ومن أَجَلِّ المهامِّ الَّتي أُرسل النبيصلى الله عليه وسلم لتحقيقها مهمَّة التزكية؛ وهي تطهير قلوب المؤمنين وعقولهم ومجتمعهم، من الشرك والوثنية والخرافة، وما تنفثه هذه المعتقدات في أصحابها من مشاعر وإيحاءات، قد تهبط بالإنسان إلى ما دون مستوى الحيوان. فقد كان عليه السَّلام يقتلع من أعماق صحابته جذور الوثنية ورواسبها فكريًا ونفسيًا، ويدفع عنهم العقائد الباطلة، الَّتي تجعل صاحبها أسير الجهل والخرافات، والتخلف وانحراف الفطرة.
ولم تقتصر مهمَّته صلى الله عليه وسلم في التزكية على تطهير العقول من المعتقدات الباطلة؛ بل إنها اهتمَّت إلى جانب ذلك بتطهير النفس من الصفات الناقصَّة، والعادات الذميمة. وقد تمكَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بلوغ هذه الغاية فأسَّس المجتمع الفاضل وأوجده على أرض