فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 400

الواقع والحقيقة، وكان المزكِّي الأعظم الَّذي زكَّى نفوس أصحابه بأقواله وأحواله وأعماله، وبذل في سبيل هذه المهمَّة جميع الوسائل الموصلة إليها، والَّتي كان من أهمِّها الدعوة إلى مجاهدة النفس، والعمل على تخليصها من رذائل الصفات وتحليتها بفضائل الأخلاق ومكارمها. وحقيقة المجاهدة هي السُّمُو بصفات النفس البشرية، وتصعيدها من السيء إلى الحسن بل إلى الأحسن؛ لأنها مفطورة على الخير ولديها القابلية للشر. وجوهر عملية التزكية يكمن في العمل على الارتقاء بالنفس، درجة درجة، إلى أن تبلغ أعلى المستويات الإنسانية وأسماها، فهي تحيلها من كونها أمَّارة بالسوء إلى نفس لوَّامة، تلوم صاحبها كلَّما قصَّر وأساء، فإذا ما تاب واستقام على الخير سكنت، وارتقت في معارج الصفاء، فصارت نفسًا مطمئنَّة، راضيةً عن ذاتها، مَرْضِيَّة عند مولاها.

والجدير بالذكر هنا أن الآيات الكريمة عندما حدَّدت مهامَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد جعلت مهمَّة التزكية سابقة، ومهمَّة التعليم لاحقة؛ إشارة إلى أهمية مرحلة تطهير النفس في بناء شخصية المسلم، وإلى دورها الأساسي في ضمان نجاح عملية التعليم وجني ثمارها. فالعلم المجرد عن التزكية علم قد يدمِّر صاحبه، ويدفعه في طريق حبِّ التعالي والسيطرة والابتزاز، ممَّا يعود عليه وعلى البشرية بالخسارة والهلاك، وهذا هو العلم الَّذي استعاذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع» . (رواه ابن حبَّان عن أنس بن مالك) .

وهكذا نجد أن المدرسة الإسلامية اهتمَّت بتزكية النفوس كمرحلة إعداد أوَّلية، وعندما أصبحت قلوب تلامذتها أوعية طاهرة تصلح لإلقاء نور العلم فيها، بدأت المرحلة الثانية وهي التعليم الشامل لعلوم القرآن الَّتي تضع علوم الحياة في إحدى كفَّتي الميزان، بينما تضع علوم الدِّين في الكفَّة الأخرى ليكونا مطلبين متعادلين يحقِّقان سعادة المؤمنين ونجاحهم في الدارين. وإلى هذا أشار القرآن الكريم في قوله تعالى: { .. ربَّنا آتنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة .. } (2 البقرة 201) . وممَّا يؤيِّد هذه الحقيقة ويدعمها أن أوَّل ما نزل من وحي الله على قلب النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: {اقرأ باسم ربِّك الَّذي خَلَق * خَلَقَ الإنسانَ من عَلَق * اقرأ وربُّكَ الأكرم * الَّذي عَلَّمَ بالقلم * عَلَّمَ الإنسانَ ما لم يعلم} (96 العلق آية 1 ـ 5) فكان الأمر بالقراءة الَّتي تعتبر من أبجديات العلم والتعليم يرمز في هذا الخطاب إلى نوعين من العلوم: علوم القلب الَّتي تؤخذ عن طريق إدمان ذكر الله وترديد اسمه، وعلوم الحياة الَّتي تؤخذ عن طريق القلم وتنتقل من جيل إلى جيل بواسطته.

وانطلاقًا من هذا الخطاب والعمل بمقتضاه؛ تحوَّل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلى جامعة تُعلِّم كلَّ العلوم، وأصبح طلب العلم فيها والانتساب إليها فرضًا على كلِّ مسلم. فدخلها المسلمون أميين غارقين في عزلتهم عن العالم حضاريًا وفكريًا، وتخرَّجوا منها بفضل معلِّمهم ونبيِّهم علماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت