فقهاء أدباء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، وحملوا شهاداتٍ عاليةً، ومِنَحًا قيِّمةً، منها ما رواه سعيد بن المسيِّب عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم» (أخرجه البيهقي والديلمي) ، وهذا ما أكَّده تعالى بقوله: {هو الَّذي بَعثَ في الأُمِّيينَ رسولًا منهم يتلو عليهِم آياتِهِ ويُزكِّيهِم ويُعلِّمُهُمُ الكتابَ والحِكمةَ وإن كانوا من قَبْلُ لفي ضلالٍ مبين} (62 الجمعة آية 2) .
وما أجمل المَثَلَ الَّذي ضربه لنا الرسول المعلِّم الأوَّل عليه الصَّلاة والسَّلام في بيان مهمَّته الجليلة في التعليم ومدى تأثُّر الناس بها عندما قال: «مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكانت منها طائفة طيِّبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسَقَوْا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مَثَلُ من فَقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به من العلم فَعَلِم وعلَّم، ومَثَلُ من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الَّذي أُرسِلتُ به» (متفق عليه من حديث أبي موسى رضي الله عنه) . ولما كان تعليم النبي صلى الله عليه وسلم شاملًا لجميع أبواب الخير، فقد ركَّز على تعليم الحكمة الَّتي تُعَدُّ من أعظم هذه الأبواب وأجلِّها بدليل قوله تعالى: { .. ومن يُؤتَ الحكمة فقد أُوتيَ خيرًا كثيرًا .. } (2 البقرة آية 269) .
والحكمة في الإسلام تمثِّل الجانب العقلاني في التربية الإيمانية؛ لأنها دراسة للأشياء بحقائقها ظاهرًا وباطنًا، ومعرفةٌ تتناول ارتباط الأسباب بمسبَّباتها قَدَرًا وشرعًا، وخَلْقًا وأمرًا. وهذه الدراسة والمعرفة هي الحكمة العلمية، أمَّا الانتقال من مرحلة الدراسة إلى مرحلة التنفيذ والتطبيق فهي الحكمة العملية. وإذا كانت الحكمة هبة الله للمرسلين، فإنها الضالَّة المنشودة لبقيَّة المؤمنين وبغيتهم، فحيثما وجدوا الحقيقة الَّتي أُمروا أن يبحثوا عنها أخذوها، وهذا الوصف هو الَّذي أطلقه معلِّم الحكمة محمَّد صلى الله عليه وسلم على كلِّ مؤمن فقال: «الكلمة الحكمة، ضالَّة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقُّ بها» (أخرجه الترمذي) .
ونظرًا لاستناد الحكمة إلى العقل وقيامها على أسسه؛ جاء توجيه النبي صلى الله عليه وسلم آمرًا بالتمهُّل والتفكُّر قبل الإقدام على أي خطوة يخطوها المؤمن، لتكون صائبة سديدة. وقد ورد في الأثر: [إذا هممت بأمر فتدبَّر عاقبته، فإن كان رشدًا فأمضه، وإن كان غيًا فانته عنه] ، فكلُّ مرحلة من مراحل حياة المؤمن يجب أن ترافقها الحكمة الرائدة، الَّتي يحتاج إليها في حياته عندما يشرف على خوض غمار الدعوة إلى الله، وعندها يصبح مأمورًا بها وليس مختارًا، لقول الله تعالى: {ادعُ إلى سبيلِ ربِّك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة .. } (16 النحل آية 125) . ولهذا جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنَّته فيدعوته، وسلاحه الَّذي انتصر به على عداوة أعدائه، وكانت تتجلَّى حكمته بأروع صورها عندما كان يستخدم في دعوته أساليب متنوِّعة ومختلفة،