تختلف باختلاف كفاءات المدعوِّين واستعداداتهم. وعلى ضوء هذه الحكمة النبويَّة تحوَّل أعداء الأمس أحبابًا، والأخصام المناوئون صحابة، وبقوَّتها الجاذبة كان يدخل المشرك مسجد النبي يريد اغتياله، ويخرج مسلمًا يدعو إلى الله، وينتقل من زعيم في الكفر إلى زعيم في الإيمان.
فهذا هو الإسلام دين التزكية والعلم والحكمة، وكتابه قرآن حكيم مليء بكنوز الحكمة وغني بمادَّتها، وخير دليل على اهتمامه بها ودعوته إليها أن سُمِّيت سورة من سوره باسم لقمان؛ الرجل الَّذي كان عبدًا أسود اللون، فلم يضرَّه ذلك شيئًا، لأنه أوتي عطاءً عظيمًا من الله وهو الحكمة، الَّتي رفعت مقامه من عبد مملوك فسلكته في مدارج الملوك، وخُلِّد ذكره في الأرض وفي السماء، قال تعالى: {ولقد آتينا لقمان الحكمة .. } (31 لقمان آية 12) .
أمَّا عن الحكمة القوليَّة، فخير ما يُذكر عنها ما قاله معلِّم الحكمة محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام في حقِّها: «نِعْمَ العطيَّة ونِعْمَ الهدية كلمة حكمة تسمعها فتطوي عليها ثمَّ تحملها إلى أخ لك مسلم تعلِّمه إيَّاها تعدل عبادة سنة» (أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله عنه) . ومن درر وجواهر الكَلِمِ النبوي في تطبيق الحكمة بشكل عملي، اخترنا طائفة منها كقوله صلى الله عليه وسلم: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالسِّر والكتمان» (أخرجه الطبراني وأبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعًا) ، وقوله: «أُمرنا أن ننزِّل الناس منازلهم وأن نخاطبهم على قدر عقولهم» (أخرجه مسلم تعليقًا في مقدمة صحيحه وأبو داود عن السيِّدة عائشة رضي الله عنها) ، وقوله: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» (أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا وأخرجه أبو داود عن الشعبي مرسلًا) ، وقوله: «كلِّموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله» (رواه البخاري) ». وقال عيسى عليه السَّلام: (لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها عن أهلها فتظلموهم، كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء في موضع الدَّاء) .
ومن الأقوال الَّتي رويت في الحكمة وقيمتها:
الحكمة نور الأبصار، ولسان الإيمان، وميزان العدل، وأمن الخائف، ومُتَّجر الرابح، وحظُّ الدنيا والآخرة، وسلامة العاجل والآجل، وهي السفير بين العقل والقلب، لا تندرس آثارها ولا يهلك امرؤ بعد عمله بها.
وعرَّفها آخرون بقولهم: الحكمة هي فعل ما ينبغي، في الوقت الَّذي ينبغي، وفي المكان الَّذي ينبغي، وعلى الشكل الَّذي ينبغي.