فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 400

/ في رحاب الآيات:

تحدِّد هذه الآيات الكريمة وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو شاهدٌ على التحوُّل الجذري الَّذي أحدثه القرآن في الناس، بولادة الأمَّة المسلمة الجديدة، وهو مبشِّرٌ بالخير والعطاء الإلهي لمن يتَّقي الله، ومنذرٌ للمعرضين عن نور المعرفة والهداية. قال ابن عباس رضي الله عنه: لمَّا نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا ومعاذًا فبعثهما إلى اليمن، وقال: «اذهبا فبشِّرا ولا تنفِّرا، ويسِّرا ولا تعسِّرا، فإنه قد أُنزل عليَّ: {ياأيُّها النَّبيُّ إنَّا أرسلناكَ شاهدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا} » (أخرجه ابن أبي حاتم وأخرجه الطبراني بإسناد مثله) . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «اجتمع عتبة وشيبة وأبو جهل وغيرهم فقالوا: أَسْقِطِ السماء علينا كِسَفًا، أو ائتنا بعذاب، أو أمطر علينا حجارة من السماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ذاك لي، إنما بعثت إليكم داعيًا ومبشِّرًا ونذيرًا» . فمهمَّة الرسول هي دعوة الناس لعبادة الله، ومكافحة الشرك والكفر، فهو السراج الَّذي يهديهم ويخرجهم من ظلام الشرك والكفر إلى نور الإيمان، وهذا لا يكون إلا بأمر من الله وبإذن منه جلَّ وعلا.

إن استناد مهمَّة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة على قاعدتي التبشير والإنذار، قد ترك أثرًا عميقًا في نفوس المدعوين؛ لأن التبشير كان يمثِّل العامل التربوي الترغيبي، الَّذي يدفعهم باتِّجاه ما ينفعهم ويسعدهم، بينما كان الإنذار يمثِّل العامل التربوي الترهيبي، الَّذي يحجبهم عن كلِّ ما يضرُّهم ويؤذيهم.

إلا أن الناس غير متساوين في فهمهم لما يُلقى إليهم، فمنهم من لا يتجاوز الكلام أسماعهم، ومنهم من تدخل الموعظة أذن أحدهم وتخرج من الأخرى، دون أن تترك وراءها أي أثر، والقلَّة القليلة منهم من تتَّحد الكلمة مع نفوسهم، وتولِّد شحنات من الحبِّ والتوجُّه إلى الله، كما تتَّحد ذرَّة الأوكسجين مع ذرَّتين من الهيدروجين، فتشكِّل ماءً يمدُّ الأحياء بأسباب الحياة ويروي العطاش. وهؤلاء يمثِّلون فئة المؤمنين الَّذين يخشون الله ويخافون أهوال يوم الحشر وشدَّة الحساب، وهم مَنْ يُرجى الخير من إيمانهم وتقواهم.

ولمثل هؤلاء المؤمنين يزفُّ الله البشارة على لسان رسوله الأمين، بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا، وبأن آثار هذا العطاء الإلهي ستظهر في ذواتهم وأُسَرِهم ومجتمعاتهم، حيث ينقلب الظلم عدلًا، والخوف أمنًا، والفقر غنىً، والجهل علمًا. أخرج ابن جرير وعكرمة عن الحسن البصري أنه قال: لما نزل قوله تعالى: {ليغْفِرَ لك الله ما تَقدَّمَ من ذنبكَ وما تأخَّر .. } (48 الفتح آية 2) قالوا: يارسول الله! قد علمنا ما يُفعل بك فماذا يُفعل بنا؟ فأنزل الله: {وبشِّرِ المؤمنين بأنَّ لهم من الله فضْلًا كبيرًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت