فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 400

بمقدار ما يرشف من رحيق الحبِّ الإلهي رشفًا، من شلالات فيضه النبوي، الَّذي أسبغه الله تعالى عليه.

وتأكيدًا لمكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى، كان الله سبحانه أوَّل من صلَّى عليه صلاة الرحمة، ثمَّ ثنَّى بصلاة الملائكة؛ وهي الاستغفار، ثمَّ أمرنا أن نصلِّي عليه بقوله: {ياأيُّها الَّذين آمنوا صلُّوا عليه وسلِّموا تسليما} ، أي الدعاء له بالمغفرة والتعظيم لشأنه صلى الله عليه وسلم، والالتزام بحسن اتِّباعه والانقياد لأوامره. وحكمة صلاة الملائكة والمؤمنين على النبي صلى الله عليه وسلم تشريفهم بذلك، حيث اقتدوا بالله عزَّ وجلَّ في الصَّلاة على الرسول وتعظيمه، ومكافأة لبعض حقوقه على الخلق، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن رسالة الإسلام جامعة للخيرات شاملة للعطايا الَّتي تغمر الإنسانية كلَّها، وأنه صلى الله عليه وسلم هو الوسيلة الَّتي تمَّ تبليغ الإسلام من خلالها إلى البشر. ولما كان الخلق عاجزين عن مكافأته صلى الله عليه وسلم فهم يطلبون من الملك القادر أن يكافئه، وهذا هو السرُّ في قولهم: «اللهمَّ صلِّ على محمَّد» . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكثروا من الصَّلاة عليَّ في كلِّ يوم جمعة، فإن صلاة أمتي تُعرض عليَّ في كلِّ يوم جمعة فمن كان أكثرهم عليَّ صلاة كان أقربهم مني منزلة» (رواه أبو داود بإسناد صحيح) ؛ وهذا مقام المقتدي بأعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدق وثبات. وأخرج سعيد ابن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن كعب بن عُجْرَة رضي الله عنه قال: «لما نزلت الآية: {إن الله وملائكَتَه يصلُّون على النَّبي ياأيُّها الَّذين آمنوا صلُّوا عليه وسلِّموا تسليما} قلنا يارسول الله! قد علمنا السَّلام عليك، فكيف الصَّلاة عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» . فالرسول محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم محمود في الأرض، محمود في السماء، فمن أراد الارتقاء إلى أفقٍ طهور فليصلِّ عليه كما صلَّى عليه ربُّ العزَّة وملائكته الأطهار.

وقد يقول قائل: إن تكريم الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم إلى هذه الدرجة، فيه نوع من الشرك الخفي، يتنزَّه عنه الإسلام، الَّذي يدعو إلى توحيد الله، عقيدة وأساسًا لكلِّ تعاليمه، فكيف يمكن الجمع بين هذا الحبِّ والتشريف لمقام النبي صلى الله عليه وسلم، وبين التوحيد المطلق لله عزَّ وجل؟ والجواب: إن شخص الرسول صلى الله عليه وسلم قد تشرَّف بشرف الرسالة الَّتي أولاه الله تعالى حملها وتبليغها. فما كان صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة إلا رجلًا بشرًا من عموم الناس، ولكنه بحمل الرسالة نال شرف النبوَّة، وشرف الصلة بالله عزَّ وجل دون سائر البشر. وقد اصطفى الله تعالى لهذا الشرف رسوله من بين البشر؛ ليمرَّ بظروفهم ويشعر بشعورهم، ويسري عليه ما يسري عليهم من شؤون الدنيا، وما ذلك إلا لأن الإسلام هو رسالة العقل والمنطق الَّتي تستند إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت