فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 400

أرضيَّة الواقع، والَّتي ستستمر في تنظيم حياة الناس وشؤونهم مادامت الأرض. وليس في تشريفه إخلال بوحدانية الله، أو إبهام لحقيقة دوره صلى الله عليه وسلم، فهو مبلِّغ للرسالة وليس موجدًا لها، وهو ناقل للعلم وليس مبتكرًا له، وهو معرِّف بشريعة الله وليس واضعًا لها، وبهذا يكون تكريمه ثمرة لأمانته وصبره على حمل أعباء الرسالة، وامتثالًا لتكريم الله له واصطفائه على سائر بني البشر.

سورة القلم (68)

قال الله تعالى: {ن والقلمِ وما يَسْطُرون (1) ما أنت بِنِعْمة ربِّك بمجنون (2) وإنَّ لك لأجرًا غيرَ مَمنون (3) وإنَّك لعلى خُلُقٍ عَظيم (4) }

ومضات:

ـ يُقسم تعالى بالقلم تكريمًا للعلم وبيانًا لأهميَّته.

ـ يدفع تعالى عن نبيِّه الكريم تهمة الجنون الَّتي وصمه بها أعداء العقيدة، ويشهد بخُلُق رسوله الكريم الفاضل وشمائله الرفيعة الَّتي أهَّلته لحمل الرسالة وتبليغها.

في رحاب الآيات:

أقسم الله تعالى بالقلم تأكيدًا على صدق محمَّد صلى الله عليه وسلم وبراءته ممَّا نسبه إليه المجرمون من السَّفه والجنون، ولا يخفى أن قَسَمَ الله تعالى بشيء إمَّا دليلٌ على قدسيَّته، أو لَفْتٌ للأنظار إلى عظيم مكانته، أو لأهميَّته، أو لبديع خلقه. والقلم هو الَّذي نكتب به العلوم والمعارف، وهو أخو اللسان ونعمة من الرحمن على عباده.

وفي هذا القَسَم إشارة إلى فضل العلم وأهميَّته، فقد خصَّ الله الإنسان من بين سائر المخلوقات بمعرفة الكتابة، ليفصح عمَّا في ضميره. وحسبك دليلًا على شرف القلم، أن الله جلَّ وعلا أقسم به تمجيدًا لشأن الكاتبين، ورفعًا من قدر أهل العلم، في وقت كان فيه معظم العرب أمِّيين لا يجيدون القراءة والكتابة. أخرج ابن أبي شيبة عن عُبادة بن الصَّامت رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أوَّل ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد» .

وينفي الله تعالى في الآية اجتماع صفتين متناقضتين في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم وهما النبوَّة والجنون، فالنبوَّة صفة جليلة قائمة على العلم والحكمة والمعرفة، ولا يمنحها الله إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت