فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 400

لأصفيائه من خلقه ممَّن تميَّزوا بنقاء الفطرة، وصفاء السريرة، ونفاذ البصيرة مع العناية الإلهية به والفضل الربَّاني عليه، فأين الجنون في كلِّ ذلك؟.

وإن العجب ليستبدُّ بالإنسان حين يقرأ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في قومه، ثمَّ يعلم اتِّهامهم له بالجنون، وهم الَّذين علموا منه رجاحة العقل وحكَّموه في بعض خلافاتهم قبل النبوَّة، وخصوصًا اختلافهم حول من يحوز شرف وضع الحجر الأسود مكانه في بناء الكعبة المشرَّفة عندما جدَّدوا بناءها، وهم الَّذين لقَّبوه بالأمين، وظلُّوا يستودعونه أماناتهم حتَّى يوم هجرته على الرغم من عدائهم الشديد له. وإن الإنسان لتأخذه الدهشة أن يبلغ الغيظ بالناس إلى الحدِّ الَّذي دفع مشركي قريش إلى أن يُلْقُوا تلك الاتِّهامات جزافًا، فيَصِمُوه بالجنون وهو المشهور برجاحة العقل، والخلق القويم والسلوك الأمثل.

وتأتي البُشرى للرسول صلى الله عليه وسلم بأن له عند ربِّه أجرًا دائمًا موصولًا لا ينقطع، وهو الَّذي أنعم عليه بالنبوَّة ومقامها الكريم، وفي هذا الأجر إيناس وتسلية، وتعويض غامر عن كلِّ حرمان عاناه، وعن كلِّ جفوة لقيها، وعن كلِّ بهتان يرميه به المشركون، وقد قُرنت هذه البشرى ورُبطت بمدح خُلُقه صلى الله عليه وسلم في الآية الَّتي تلتها {وإنَّك لعلى خُلُقٍ عظيم} فكان الارتباط القائم بين الآيتين عبارة عن تَرتُّبِ النتائج على المقدِّمات؛ فأجر النبي لا ينقطع ولا ينفد، لأنه ذو خلق عظيم تسامى إلى درجة لا ينقطع معها أجر ولا يقلُّ ثواب، فمَعِيْنُ خلقه فيَّاض لا ينضب، ونبع حسناته متفجِّر لا يغيض، وهذا شرف عظيم لم يدرك شأوَه بشر، فربُّ العزَّة هو الَّذي يصف محمَّدًا بهذا الوصف الجليل. وقد كان من خُلُقه صلى الله عليه وسلم: حبُّ العلم، والحلم، وشدَّة الحياء، وكثرة العبادة، والسخاء، والصبر، والشكر، والتواضع، والزهد، والرحمة، والشفقة، وحسن المعاشرة، والأدب، إلى غير ذلك من الخلال العليَّة والأخلاق الرضيَّة. قالت السيِّدة عائشة رضي الله عنها في وصفه عليه السَّلام: (لم يكن يعيب أحدًا، ولا يجزي على السوء بسوء، بل كان يعفو ويصفح، وكان بعيدًا عن السيئات، إنه لم ينتقم من أحد لنفسه، ولم يضرب غلامًا ولا أَمَةً ولا خادمًا قط، بل لم يضرب حيوانًا، ولم يَرُدَّ سائلًا إلا إذا لم يكن عنده شيء) . وعنها رضي الله عنها قالت: «ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر، إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول اللهصلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تُنتهك حرمة الله عزَّ وجل» (رواه البخاري ومسلم) . وما أجمل ثناء الله عليه حين قال: {لَقَد جاءَكُم رسُولٌ من أنفسِكُم عزيزٌ عليهِ ما عَنِتُّم حريصٌ عليكُم بالمؤمنينَ رؤوف رحيمٌ * فإن تَوَلَّوا فقُل حسبيَ الله لا إلهَ هُو عليه توكَّلتُ وهو ربُّ العرشِ العظيم} (9 التوبة 128 ـ 129) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت