فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 400

أمَّا قوله تعالى: {ووضعنا عنك وِزْرَك} فمعناه: غفرنا لك ذنبك، كقوله تعالى في آية أخرى: {لِيَغْفِرَ لك الله ما تقدَّمَ من ذنبكَ وما تأخَّر .. } (48 الفتح آية 2) . وليس المراد بالذنوب المعاصي والآثام، فإن الرسل معصومون من مقارفة الآثام، ولكنَّها أخطاء الاجتهاد فيما لم يأته بشأنه وحي؛ كإذنه صلى الله عليه وسلم للمنافقين في التخلُّف عن الجهاد حين اعتذروا، وعبوسه في وجه الأعمى، وقبوله الفداء من أسرى بدر.

ولا تخفى الحكمة الإلهية من ذلك، فقد تَرَكَ الله الرسول صلى الله عليه وسلم يجتهد ويخطئ، ليصحِّح له هذا الخطأ ويعاتبه عليه، وفي هذا العتاب ما فيه من الدلالة على أن القرآن ليس من عنده، وإنما هو قول ربِّ العالمين سبحانه.

وهكذا بعد أن تفضَّل الله على رسوله بشرح صدره للقيام بمهمَّة الدعوة، الَّتي أصبحت مشرق النور الإلهي ومستقرَّه ومستودعه، وبعد وصله الفناء بالبقاء، والعدم بالوجود، كافأه سبحانه بدرجة عظيمة مقابل قيامه بتكاليفها وأدائها على أحسن وجه، فوضع عنه ما أثقل ظهره، ورفع ذكره وقرن اسمه الكريم باسمه عزَّ وجل، ممَّا جعل قلوب الناس المؤمنة تلهج بالثناء عليه منذ أربعة عشر قرنًا وإلى ما شاء الله؛ فصلَّى الله وسلَّم وبارك عليه.

لقد بلغ صلى الله عليه وسلم أسمى الرتب، ونال أرفع الدرجات والمنازل، وأيُّ منزلة أرفع من النبوَّة؟ وأيُّ ذكر أوسع وأعلى من أن يكون له في كلِّ طرف من أطراف المعمورة، أتباع يمتثلون أوامر الشريعة ويجتنبون نواهيها، ويرون محبَّته مغنمًا، والحرمان منها مغرمًا؟ وهل من فخار أكبر من جعل اسمه مقرونًا باسم الله كلَّما تحرَّكت به الشفاه؟ (لا إله إلا الله محمَّد رسول الله) وهو المقام الَّذي تفرَّد به صلى الله عليه وسلم دون سائر العالمين. أخرج أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فقال: إن ربَّك يقول: تدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله أعلم، قال: إذا ذُكرتُ ذُكرتَ معي» .

لقد وعد الله رسوله بالنصر والتوفيق والسداد، فما عليه إلا أن يشحن روحه بمزيد من المدد الإلهي، والإكثار من الذكر والتسبيح والعبادات، ليبقى الاتِّصال مستمرًا، والعناية محيطة به على مدار الساعة بإذنه تعالى، وعندها يأتي الفرج بعد الضيق، ويكون الرخاء بعد الشِّدة. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يعاني في مكَّة من الضيق والشدة، هو وأصحابه، ما الله به عليم، بسبب أذى المشركين، فوعده الله باليسر، كما عدَّد نعمه عليه في أوَّل السورة تسلية له، ومؤانسة لنفسه وتقوية لرجائه، وكأنَّ الله تعالى يقول: إن الَّذي أنعم عليك بهذه النعم الجليلة سينصرك عليهم، ويظهر أمرك، ويبدِّل لك هذا العسر بيسر قريب، ولذلك كرَّره مبالغة فقال: {فإنَّ مع العسرِ يسرًا * إنَّ مع العسر يسرا} فلا تحزن ولا تضجر؛ فالعسر مشفوع بِيُسْرَيْنِ كتفريج الهمِّ مع ثواب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت