الله تعالى، وفي ذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لن يغلب عُسر يُسرين» أي لن يغلب عسر الدنيا يسر الدنيا ويسر الآخرة. أخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: «لما نزلت هذه الآية: {إن مع العسر يسرا} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين» (أخرجه الحاكم والبيهقي في الشعب عن الحسن مرسلًا، ورواه الطبراني عن معمر) . وتفسير ذلك أن الآية الكريمة جعلت العسر معرَّفًا بالألف واللام ومهما كُرِّر فيها فهو واحد، لكنها نَكَّرت اليسر (يسرًا) ولَمَّا كرَّرته تعدَّد فصار في الآية عسر واحد يقابل يسرين، ولن يغلب عسر يسرين كما صرَّح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بعد ذلك يجيء التوجيه الكريم لمواقع التيسير، وأسباب الانشراح، ومستودع الزَّاد في الطريق الشاقِّ الطويل: {فإذا فرغتَ فانْصَب} أي إذا فرغت من شغلك مع الناس وانتهيت من شواغل الحياة، فتوجَّه بقلبك كلِّه، عبادةً، وتجرُّدًا، وتطلُّعًا إلى زيادة القرب من الله سبحانه وتعالى. أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: {فإذا فرغت فانصب} (أي إذا فرغت من صلاتك وتشهَّدت فانصب إلى ربِّك، واسأله حاجتك. ولا ترغب في ثواب أعمالك وتثميرها إلا إلى ربِّك وحده، فإنه هو الحقيق بالتوجُّه إليه والضراعة له، توجَّه إليه خاليًا من كلِّ شيء، حتَّى من أمر الناس الَّذين تشتغل بدعوتهم، فإنه لابدَّ من الزاد للطريق، وهذا هو الزاد، ولابدَّ من العدَّة للجهاد، وتلك هي العدَّة، وهنا ستجد يسرا مع كلِّ عسر، وفرجًا من كلِّ ضيق) .
وتنتهي السورة وقد تركت في النفس شعورين متمازجين، الشعور بعظمة الودِّ الجميل الَّذي يفيضه الله على رسوله الكريم، والشعور بالتَّعاطف مع شخصه، ونحن نكاد نلمس ما كان يساور قلبه الكريم في تلك الآونة الَّتي اقتضت هذا الودَّ الجميل. فما أروعها من ثمرات نجمت عن المعاناة الطويلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجهاده الشاقِّ في تركيز قواعد الشريعة الإسلامية، حيث أنقذت أممًا كثيرة من رقِّ الأوهام، وفساد الأحلام، ورجعت بهم إلى الفطرة الأولى من حرية العقل والإرادة، والإصابة في معرفة الحقِّ، ومعرفة المقصود بالعبادة، فاتَّحدت كلمتهم على الاعتقاد بإله واحد لاشريك له بعد أن كانوا متفرقين طرائق قِددًا، عُبَّاد أصنام وأوثان، وشموس وأقمار، لا يجدون إلى الهدى سبيلًا، ولا للوصول إلى الحقِّ طريقًا، فأزاحت عنهم تلك الغُمَّة، وأنارت لهم طريق الهدى والرشاد. وما أجملها من آيات يقرؤها العبد في صلاته، وهو يشعر بأنه المخاطب بها مباشرة من قبل ربِّ العالمين، ليشعر بحضور الله عزَّ وجل المستمر معه. وما أجدر المرء أن تكون له التفاتات متكرِّرة إلى بدايات حياته، ليتذكر توالي فضل الله عليه، واستمراره منذ ولدته أمُّه ولغاية يومه، ويدرك أنه تعالى ما تخلَّى عنه، وما بخل عليه في يوم من الأيام بل إنه في كنف ربٍّ كريم، عظيم، رحيم. وما أحراه أن يُقدِّم شكرًا عمليًا لربِّ العالمين، من خلال أداء واجبه تجاه المقهورين والمحرومين، والسائلين والأيتام؛ أيتام الأبوين أو أيتام العلم، وذلك برعايتهم في شؤون