وفيما يلي نلقي الضوء على بعض هذه الأسماء، مسترشدين بما جاء في القرآن الكريم من توضيح لمفهومها، وبيانٍ وتفصيل لمدلولاتها.
ـ الواحد، الأحد، الفرد، الصَّمد
قال تعالى: {قُلْ هو الله أحَدٌ* الله الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ ولمْ يُولَدْ * ولمْ يَكن لهُ كُفُوًا أحَدٌ} (112 الإخلاص آية 1 ـ 4) .
أخرج الإمام أحمد عن أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه أن الوثنيين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: يامحمَّد! انسب لنا ربَّك؛ فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص.
فكانت هذه السورة توجيهًا من الله لرسوله ليعلن للناس من خلالها أنَّ الإله الَّذي يعبده ويدعوهم لعبادته هو الله الواحد الأحد الَّذي لا شريك له، ولا شبيه ولا نظير، إنْ في ذاته أو صفاته أو أفعاله.
ولفظ (أحد) في الآية أدقُّ من لفظ (واحد) لأنَّه يضيف إلى معنى (الواحد) أنَّه لا شريك له، وأنَّه متفرِّد بالألوهية؛ ممَّا يُقرُّ في القلب يقينًا بأن التوجُّه بالعبوديَّة لا يكون إلا إليه وحده، وهذا يعني استغناءه عن كلِّ ما سواه. وبذلك تتكامل عقيدة الإنسان فيستعين بالله وحده، ويهتدي بنوره، فيمتثل أوامره، ويجتنب نواهيه.
وقد سُميِّت هذه السورة بسورة الإخلاص؛ لأنها مدرسة المؤمن، ينتسب إليها ليتعلَّم كيفية إخلاص الاعتقاد بوحدانية الله عزَّ وجل، وحقيقة كلمة التوحيد الَّتي أمر الله تعالى رسوله الكريم بتبليغها للناس، فتلقَّفها الصحابة الكرام بإيمان وطمأنينة وثبات؛ فها هو بلالٌ الحبشي رضي الله عنه يُعذَّب ـ بسبب إسلامه ـ من قِبَلِ وثنيِّي قريش مع بدايات الدعوة في مكة، فلا يفتر لسانه عن ترديد كلمة الإخلاص، وينادي بقلب عاشق لله: (أحَد أحد، فرد صمد) . أحد أحد ... فلا شيء في القلب غير الله، وعظمته وخشيته، فهو المستجيب لكلِّ من يقصده، وهو المجير لكلِّ من يلوذ بحِمَاه. أحد أحد ... المنفرد الخالق للأكوان، المنزَّه عن التقيُّد بالزمان أو الحاجة إلى المكان، لا شيء قبله ولا شيء بعده، ولا مثيل له ولا شريك.
فكانت هذه الكلمات تعبيرًا عن العشق الَّذي ملأ قلب بلال رضي الله عنه، فأطفأ لهيب الجمرات الَّتي وضعوها على ظهره، فما كان ألم العذاب ليصرفه عن لذَّة الوصال، وحلاوة الإيمان بالله الواحد الأحد.