فالواحد الأحد هو الخالق المتفرِّد بالخلق والإيجاد، وهو الموجود الَّذي لا ينجم عن وجوده موجود مثله، وكلُّ موجود آخر إنما يستمِدُّ وجوده منه، ويستلهم حقيقته من تلك الحقيقة القدسية الأزلية الأبدية.
فهذه هي وحدانية الله الَّتي اهتدى إليها أصحاب العقول والبصائر فآمنوا بها، وضلَّ عنها بعض السذَّج الَّذين قادتهم عظمة الكون إلى الشَّك في إمكانية إيجاده من قبل مُبْدِع واحد، فاعتقدوا وآمنوا بتعدُّد الآلهة، فأخطؤوا وما أصابوا؛ لأن العظمة الإلهيَّة أجَلُّ من أن تدانيها قوَّة أو طاقة، فكلُّ ما عداها مخلوق، ولا يمكن للمخلوق أن يتساوى مع الخالق.
ولو كان معه ـ سبحانه ـ آلهة تدير هذا الكون، لسعى كلٌّ منهم لاتِّخاذ مراكز في السلطة الإلهية، ولأدَّى ذلك إلى نشوب خلافات بينهم على النفوذ من شأنها أن تفسد الكون. وقد بيَّن الله عزَّ وجل هذه الحقيقة في قوله: {قُل لوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوا إلى ذي العَرْشِ سَبيلًا * سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كبيرًا} (17 الإسراء آية 42 ـ 43) . وذِكْر العرش هنا يوحي بالارتفاع والتَّسامي والسيطرة على جميع القوى الفاعلة في هذا الكون والَّتي ظنَّها ضعاف العقول آلهة، وما هي إلا خلق من مخلوقات الله، تتَّجه إليه بفطرتها الكونية، وتخضع لإرادته الَّتي تحكمها، وتصرِّف شؤونها بالشكل الَّذي يتناسب مع ما سُخِّرت لأجله.
ومن الأدلة القرآنية الَّتي تشهد بوحدانية الله تعالى دِقَّة النظام في السموات والأرض، والمبيَّن في قوله عزَّ وجل: {لوْ كانَ فيهما آلِهَةٌ إلاَّ الله لَفَسَدَتَا .. } (21 الأنبياء آية 22) ، وقوله: {ما اتَّخَذَ الله مِن وَلَدٍ وما كانَ معه مِنْ إلَهٍ إِذًا لذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ} (23 المؤمنون آية 91) .
والله هو الصَّمد الَّذي لا يُقضى أمرٌ إلا بإذنه، فله السيادة المطلقة على هذا الكون الرحيب، الَّذي لا يعلم مداه ومحتواه إلا هو، ولا ينازعه في هذه السيادة أحد، فهو المقصود وحده بالدعوات، المجيب لأصحاب الحاجات. وصمديَّته هذه تعني استغناءه الذاتي عمَّا سواه، وافتقار جميع المخلوقات إليه؛ في وجودها وبقائها وسائر أحوالها. ومن تمام وحدانيته وصمديَّته أنه لم يتَّخِذ ولدًا، لأن الولد لابدَّ أن يكون من جنس والده والله تعالى ليس كمثله شيء، والولد لا يكون إلا لمن له زوجة والله منزَّه عن اتِّخاذ الزوجة، والولد يكون لمن يخشى الموت والزوال فتكون الذرِّية استمرارًا له وبقاءً لنوعه، أمَّا الله تعالى فهو باق لا يحول ولا يزول، قال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَواتِ والأَرضِ أنَّى يَكونُ لهُ وَلَدٌ ولمْ تَكُنْ لهُ صَاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شيءٍ وهو بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ} (6 الأنعام آية 101) . وهو كذلك لم يولَد، لأن كلَّ مولود حادث والله قديم أزلي، لا والد له ولا سابق عليه، فهو الأوَّل والآخر الَّذي لا ابتداء لوجوده ولا نهاية؛ وفي هذا دحضٌ لما يفتريه المشركون، بأن