لله أولادًا أو أندادًا، قال تعالى: {وقُلِ الحَمْدُ لله الَّذِي لمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولمْ يَكُنْ لهُ شَريكٌ في المُلْكِ ولمْ يَكُنْ لهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} (17 الإسراء آية 111) .
فالحمد لله الَّذي لم يتَّخِذ ولدًا فَيُمْسِك نِعَمَهُ له ثمَّ يورِّثه ملكه، لأن الولد غالبًا ما يقوم مقام الوالد بعد انقضاء أجله. والحمدلله الَّذي لا شريك له في الملك، إذ لو كان له ذلك لم يُعرف أيُّهما المستحقُّ للشكر والحمد. والحمد لله الَّذي ليس له وليٌّ من الذُّل يتولاه لحاجة إليه أو دفعًا لمذلَّة عن نفسه. والحمد لله دائمًا وأبدًا على كلِّ ما أولانا من نِعَمٍ مهَّدت لنا طريق عبادته الخالية من الشِّرك والشريك أو الحاجة لغيره عزَّ وجل.
من هنا ينبثق المنهج الكامل للحياة المُثلى، القائم على حقيقة وحدانية الله وما تشيعه هذه الحقيقة في النفس من تصوُّرات ومشاعر وأحاسيس وأفكار واتجاهات. إنه منهج عبادة الله وحده، فلا توجُّه ولا ملاذ إلا إليه في حالتي الرغبة والرهبة، في السرَّاء والضرَّاء. إنه منهج العمل ابتغاء مرضاة الله والقرب منه، والتطلُّع للخلاص من الحواجز المعوِّقة والشوائب المضلِّلة عن طريقه، والسبيل الَّذي يربط بين قلب المؤمن وبين خلق الله برباط الحبِّ والأنس والتَّعاطف.
من أجل هذا كلِّه، ركَّزت الدعوة الإسلامية منذ بدايتها على إقرار حقيقة التوحيد عقيدةً في الجَنان، ومنهجًا للحياة، وتفسيرًا للوجود عميق الارتباط بسائر فعاليَّات الإنسان.
ـ الحيُّ، القيُّوم:
قال تعالى: {الله لا إِلَهَ إِلاَّ هو الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ .. } (2 البقرة آية 255) .
أمَّا الحي: فهو اتِّصافه عزَّ وجل بالحياة الأزلية الخالدة، الَّتي لا بداية لها ولا نهاية؛ فهي مطلقة مجرَّدة عن معنى الزمان الملازم لحياة الخلائق، ومنزَّهة عن الخصائص الَّتي ألِفها الناس في حياتهم.
وأمَّا القيُّوم: فيعني أن قيام كلِّ شيء في الوجود مرهون بإرادته عزَّوجل وتدبيره وقدرته، فهو وحده القائم بتصريف أمور عباده، يرعاهم ويحفظهم ويرزقهم، ويُوجد لهم أسباب سعادتهم في الدنيا والآخرة، وهو المُحْكِمُ قبضته على هذا الوجود بكليَّاته وجزئيَّاته، قال تعالى: {إنَّ الله يُمْسِكُ السَّمَواتِ والأَرضَ أنْ تَزُولا وَلَئِن زالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إنَّهُ كان حَلِيمًا غَفُورًا} (35 فاطر آية 41) . وحين يحاول الإنسان تصوُّر هذه الحقيقة، ويَسْبَحُ خياله متفكِّرًا فيما لا يُحصى من الجزئيات المحيطة به ينتابه شعور الخشية والخشوع، عندما يكتشف أن أدقَّ ذرَّات هذا الكون