فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 400

بخصائص النفس البشرية وميولها ونزعاتها، قاصد إسعاد هذا المخلوق في ظلال عبادته وطاعته، وله سبحانه، الرقابة على السرائر والضمائر كما له السلطان على الحركة والسلوك، فيجزي الناس وفق شريعته في الدنيا، ويجازيهم من منطلق عدله وفضله في الدار الآخرة.

وإن الدِّين الَّذي جاء به رسل الله، لا ينحصر في دائرة فهم العامَّة من الناس، الَّذين يقصرونه على الشعائر والعبادات والتجلِّيات؛ بل إنه يتجاوزها ويتعدَّاها، لأنه منهج كامل للحياة، يتسع ليشمل علاقة الفرد بخالقه، وعلاقته بالناس وبالكون من حوله. فالإنسان جزء من هذا الكون، وهو أبدًا في حال تأثُّر به وتفاعل معه، وقد جاء الدِّين ليحفز كوامن القدرة والإبداع فيه، ليصبح قادرًا على استنباط قوانين الكون ونواميسه، ثمَّ يسخِّرها لمنفعته.

والإنسان الفرد جزء من المجتمع، والناس بمجموعهم يسهمون في بنائه وتطويره، ودور الدِّين تجاههم تحديد الواجبات والحقوق المتبادلة فيما بينهم، وتنظيم علاقاتهم والمحافظة على روابطهم الاجتماعية والرُّقي بها، لئلا تنحدر إلى المستوى البهيمي فتعتريها الفوضى والتفسُّخ. وهكذا نجد أن الدِّين منظِّم للحياة البشرية بشقَّيها، قلبًا وقالبًا، ظاهرًا وباطنًا، اعتقادًا ومنهجًا وسلوكًا.

وقد بيَّنت الآيات الكريمة في النص القرآني السابق وحدة مصدر الشرائع السماوية، وأبرزت الصلة الوطيدة بينها، وأكَّدت على وشائج القربى الَّتي ربطت بين شرائعها جميعًا، ففي التوراة الَّتي أنزلت على موسى عليه السَّلام هدىً للقلوب، ونور للبصائر، التزم بها من جاء بعده من أنبياء بني إسرائيل، لأنهم أسلموا أنفسهم بكليَّتهم إلى الله عزَّ وجل، وكذلك كُلِّف علماء بني إسرائيل وعُبَّادُهم بتطبيقها، بصفتهم الأمناء على كتاب الله، الَّذين يشكِّلون الرقابة اليقظة، الَّتي لا تسمح لأيِّ يد أن تمتدَّ إليه، بالتحريف أو التبديل، أو الحذف أو الإضافة.

وبما أن تطبيق تعاليم الشريعة الإلهية لن يكون على درجة واحدة، لأن النفوس تتفاوت في درجة سموِّها وتقبُّلها لأحكامها، خاصَّة إذا تعارضت مع ميولها ونزعاتها، فتراها تعارض كلام الله أو تُؤوِّله أو تحرِّفه ليتماشى مع رغباتها، لذا يُحذِّر الله جميع الأنبياء والأوصياء على رسالاته من التهاون في مثل هذه المواقف، أو الميل مع أهل الهوى، فالحقُّ أولى أن يُتَّبع، وما كان الله ليشرع شريعة تتعارض مع سعادة الناس أو تضرُّ بمصالحهم، بل لتحيي قلوبهم وتوفِّر لهم الأمن والاطمئنان، والسعادة والسَّلام، ولكنَّ المعاندين تعمى أبصارهم عن نور الله، ويُغَلِّبون مصالحهم على مصالح غيرهم من الخلائق؛ أنانية وتسلُّطًا وجشعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت