فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 400

فالمجاهدة مستمرَّة على مرِّ الزمان، ولابدَّ للدعاة إلى الله من أن يصمدوا في وجه الأدعياء، ومن يضعف منهم أمام بعض الإغراءات (كالجاه، أو الرِّياسة، أو أي مطمع) ، فلا مكان له ضمن دائرة رحمة الله، بل هو مطرود منبوذ منها، لأنه اشترى بآيات الله، ثمنًا قليلًا من متاع الدنيا الزائل.

وتقرِّر الأحكام الإلهية مبدأً إنسانيًا عظيمًا، يُعَدُّ الميثاق الحقيقي لإعلان حقوق الإنسان، والحفاظ على حياته وسلامته من أي عدوان؛ وهو أنه لا يحقُّ لإنسان أن يقتل إنسانًا أو أن يؤذيه أو يمسَّه بأدنى سوء. وقد رتَّب الله تعالى عقوبات صارمة لحماية النفس الإنسانية، فالقاتل يُقتل، والاعتداء يُرَدُّ بمثله، والقصاص هو العقاب الرادع الَّذي يحمل كلَّ من ينوي قتل غيره، على أن يراجع نفسه مرَّات ومرَّات قبل أن يُقدم على ما عزم عليه، لأن العقاب له بالمرصاد، فالقصاص هو الحُكم الَّذي تقضي به الفطرة السليمة، وتستريح إليه النفوس الكريمة، والَّذي يذهب بحزازات النفوس وغيظها، وجراحات القلوب وآلامها، ويسكِّن فورات الثأر الجامحة. فقد جاء في التوراة، الفصل الحادي والعشرين من سفر الخروج (الفقرة 24 ـ 26) : (وإن حصلت أذيَّة تعطى نفسًا بنفس وعينًا بعين وسنًَّا بسن ويدًا بيد ورجلًا برجل وكيًَّا بكي وجرحًا بجرح ورضًَّا برضّ) . وجاء في الفصل الرابع والعشرين من سفر اللاويين (الفقرة 18 ـ 20) : (وإذا أمات أحد إنسانًا فإنه يقتل، ومن أمات بهيمة يعوِّض عنها نفسًا بنفس، وإذا أحدث إنسان في قريبه عيبًا فكما فعل كذلك يفعل به كسر بكسر وعين بعين وسنٌّ بسن كما أحدث عيبًا في الإنسان كذلك يحدث فيه) . هذه الأحكام الَّتي نزلت في التوراة، بقيت كما هي في شريعة الإسلام، وأضيف إليها حكمٌ آخر هو قوله تعالى: {فمن تَصدَّق به فهو كفَّارةٌ له} . فبعد أن شرع الله تعالى القصاص دفعًا للأذى وإشباعًا لدوافع الفطرة، وضمانةً لما يريحها، راح يستثير في النفوس السماحة، والعفو والوجدان، علَّه يحرِّك تلك الَّتي لا يغنيها التعويض المالي، ولا يسلِّيها القصاص عمَّا فقدت، فتبقى فيها حرقة ولوعة، لا تطفئها ولا تهدِّئها إلا رحمة الله، الَّذي وعدها بالتعويض من قِبَلِه، وهو تعويض لا يُستهان به عند ذوي النفوس المطهَّرة والقلوب المنقَّاة. فالعفو عن الجاني ثوابه عند الله كفَّارة للمجني عليه، يُكفِّر الله بها ذنوبه، ويعفو عنه كما عفا عن أخيه، فقد روى أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا» .

وتواصل كوكبة الإيمان تقدُّمها تحدوها محبَّة الله، وتكلؤها عنايته ورعايته لنشر الهداية في الأرض، ولتحقيق العدالة بين الناس، فيرسل جلَّ شأنه عيسى عليه السَّلام ومعه الإنجيل الَّذي جاء مصدِّقًا للتوراة، ولم يتضمَّن الإنجيل في ذاته تشريعًا مستقلًا عن التوراة، عدا بعض التعديلات الطفيفة، فهو بين مصدِّقٍ لها، ومضيف عليها، ومصحِّح لما تحرَّف منها. ويلاحظ أن تكرار آية {ومُصدِّقًا لما بين يديه} تأكيد على أن المسيح يصدِّق موسى عليهما السَّلام، كما أن الإنجيل يصدِّق التوراة. إلا أن التوراة جاءت لأهلها، والإنجيل جاء لأهله، ولن يكون النصارى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت